• الاثنين 04 شوال 1439هـ - 18 يونيو 2018م

حولت قوالب الألوان المائية الدائرية إلى هالات

ظبية لملح.. حضور لا غياب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 19 فبراير 2018

نوف الموسى (دبي)

ألمٌ خفيفٌ جداً؛ يعتلي ممر الناي، بعد أن هبت ريحٌ لطيفة، استهلت حوارها عبر المضي قدماً بين أعين العابرين، من يتقنون رؤية اليقين ويجعلون منه أعجوبة الزمان. وأسدلت الأشجار أوراقها، واتخذ الجذع دوراً رئيسياً في إمالة الأغصان نحو الشمس، استعداداً لإشراقة العبور اللانهائي، ولكن كيف السبيل إليه وإلى ظبية لملح؟ تَسكن الدائرة منذ سنوات طويلة جداً، رغم قدرية «المربع» في أعمالها، واصطفافات الخطوط بمساراتها الناجمة عن الاحتفاء المتفاني بالفراغ الشبيه بـقُبلة رمت نفسها على وجنتي طفلة باكية. ويستمر تداوي ظبية لملح لجوف محيطها، كالذي يناجي الحياة بأن يولد فيها مجدداً. إنه الخلق الرقيق لزراعة زهرة في العالم، والارتواء بصوت الألم الذي يسمو كلما هطل المطر عليه وازدادت قوته، بمثل بذرة في أوج اندلاعها عن سطح التربة، وحدوث الارتداد في تكوينها الفعلي ما هو إلا حيرة، لماذا يسعون إلى اجتثاث الجذر، وهو تلك الــ«آه» الكبيرة التي صنعت شجرة الحياة.

وماتت ظبية لملح، يقولون إنها تركت نفسها في رعشة رعدية، انهالت من السماء كأسراب من نور، ولا يعرف أحد إلى الآن أين ذهبت، ولم يتوقف أبناؤها في البحث عنها، في جّل لوحاتها المسكونة بالألوان، كلما اختاروا لوناً توقعوا حضورها فيه، رأوا أنفسهم أمام مرآة تعكس طفولتهم وذكرياتهم وأشياء كثيرة يجهلونها. أدهشتهم بظلالها الكثيفة، تجلس بالقرب من مخيلتهم، وتسرد لهم أسرارها، مقتنعين بأن اللوحة تجاوزت في البوح كل أنواع الانتظار، وسلمت لهم المعنى في عُقد من الأفكار العشوائية لانطباعات عامة، رصينة في إثراء لغة الحدس الكامنة، لا تتوقع منها إجابات تامة، لكل نص بصري تفاعلي هناك نهاية مفتوحة، تريد منها ظبية لملح تحقيق استمرارية لأبنائها في التجربة، الخوض في التيه البعيد، إنها اللغة ذاتها، إبان قرار توقف نصفها عن الحركة، إثر جلطة دماغية، لا شيء حدث سوى موت صغير، نجا منه النصف الآخر والطرف الآخر والحياة الأخرى، إنه الموت يتعدد يتناسل يتداخل بطبيعته المعهودة، ولكن الربكة المحضة تحدث عندما يقرر الظهور بوضوح صارخ.

الاستجابة الفنية، لـظبية لملح، نتاج عجزها النصفي، أمرٌ يدعو للتأمل، اختارت الفرشاة، القلم الخشبي برأسه المشعر الممدود للأعلى، كأشجار الصنوبر. وحولت قوالب الألوان المائية الدائرية إلى هالات تتحرك في اللوحة بسرعة نسبية، تُقاس بحرارة اللون وبرودته، كتبت «الله كريم»، في عهدة التوقيع والإثبات للمرجعية الكليّه لكل تلك المتاهات والزوايا المرصوصة بعفوية العارف للحدود والمتمكن لجغرافيا الرحلة، دون بداية أو نهاية، تستدعي وضع علامة أو إعلان، فلا يرحل أحدٌ ولا يأتي أحد، الكل باقون هنا، خالدون في اللحظة، ويستمرون في العبور إلى حيواتنا الصغيرة، مذكريننا بكيفية السبيل إلى جسور اللانهاية، باعتبارها ممر الناي ونفخة العازف.

مشت بين أعمالها في أحد معارضها الفنية، ولم يرها أحد، تداخلت في الوصف والتفسير لكل من تحدث عن قوتها وصبرها. ابتسمت؛ عندما رأت أبناءها أنتجوا أعمالهم الفنية، متأثرين بها، ومؤكدين لمشهد التكامل السحري بين أعمالها وأعمالهم، كأنهم يخبرونها بأنها فيهم، يعيشون على متعة اندماج اللون، وولعه بالكشف عن نفسه.

واستمرت ملحمة التدافع بين المناجاة البصرية والإلهام الآني، فالوقوف بين يدي أم اتخذت من امتدادها الوجودي قصيدة، تتموضع على جرح الفقد الحارق بملح من النبوغ والنمو الروحي، إنها السلسلة المتصلة، المترادفة المتناقلة، فيها توجت الأم بعيداً عن اعتيادية الفعل المرتبط بـالتعاليم، بل دفق ضخم من العطاء غير المحدد بأطر الـ«المقابل»، إنه فعل الكون المستمر، وإسقاط لكافة أشكال الانفصال، تكريس كليّ للوصول نحو الولادة، بعدها لن يسأل الربيع نفسه: لماذا سقطت أوراق الخريف، ونجوت أنا؟!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا