• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الحدود الترابية الثابتة توازيها حدود ثقافية مائعة

التعددية الثقافية.. تنوّع يأبى الطَمس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يناير 2015

عز الدين عناية

انتقد جمعٌ من علماء الاجتماع الأمريكان حالات التحكم السائدة في أوروبا، باسم الوصاية على الذاكرة الجماعية، وادعاء التمثيل الأصيل في مقابل الوافد الدخيل. نذكر على سبيل المثال انتقادات علماء الاجتماع دارن شِرْكات وكريستوفر إلّيسون ورودناي ستارك ولورانس إياناكوني.

تعدّدية تجابه الاحتكار

الحقيقة أن التعددية الثقافية في أوروبا بقدر ما تغري وتغوي تبعث على الخشية أيضا لدى بعض الأطراف نظرا لتبعاتها المتنوعة. ليس لأن حمولة التعددية ضارة، بل لآثارها الجانبية أيضا، في الحد من احتكار الرأسمال الرمزي من قبل أطراف نافذة تتحكم بالسوق الثقافية، كَنَسية ويمينية وشوفينية. كان عالم الإناسة البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov)، قد صاغ في مؤلف بعنوان «غزو أميركا»، تصورا نبيها عن عقلية الأوروبيين الغزاة لقارة أميركا، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. لا يزال هذا التصور مجديا في الإحاطة بالوقائع الأوروبية، في تعاملها مع الآخر القادم من العالم الثالث في تاريخنا الراهن.

وفي أوروبا المعاصرة أتى التعاطي مع المهاجرين القادمين من الدول المستعمَرة سابقا وحتى من غير المستعمرة، تقريبا وفق المقاربتين المذكورتين. فعلى سبيل المثال اعتمد الفرنسيون التذويب، وطغى على مجمل سياسات الهجرة ضربٌ من اليقين، مفاده أن الوافِد سوف ينصهر ويتلاشى في ذلك المدى الجارف، وشُبِّه للكثيرين أن الجموع المهاجرة، التي غدت في الحقيقة مستوطنة، سائرة في نسق من الذوبان لا مناص منه. ففي مرحلة سابقة برّر الاستعمار الفرنسي تواجده في إفريقيا عامة وفي الجزائر خاصة، بهدف «تحضير» الشعوب المتدنّية، أي نقلها من طور حضاري سافل إلى طور آخر راق. وقد بقي هذا المعطى المركزي ثابتا في عمليات الاستيعاب للمهاجر من خلال ما يعرف بخيار (L’assimilation)، الذي يعتمد التذويب والصهر في بوتقة الحضارة الفرنسية المعتدّة بماضيها وحاضرها والمؤمنة بمستقبلها. ففي التشريع الفرنسي ليس هناك مراعاة لخصوصيات الأقليات، بل هناك توجه عام لصهرها في بوتقة واحدة. ولا يعترف نموذج الدمج القسري (لا الاندماج الطوعي) للمرء بحقوقه إلاّ متى تخلص من ارتباطاته الإثنية والرمزية والثقافية. فهو نظامٌ مضاد للتجمعات الثقافية وباحث عن الصهر الإلزامي، وبالتالي لا ينطبق عليه مفهوم «المولتيكولتوراليزم»، بصفته لا يعترف أصلا بالمكونات الثقافية وإسهاماتها.

في حين ومن جانب آخر، رفض الألمان، في البداية، الاعتراف بظاهرة الهجرة على أراضيهم، وحذت هولندا حذو ألمانيا في تلك السياسة، معتبرين القادمين للعمل ضيوفا وقتيين، حتى لمن قُدّر لهم المولد في تلك الربوع، ضمن ما كان يُعرَف بـ«العمّال الضيوف» (Gastarbeiter). يسكنون في أحياء خاصة بهم ومعزولون في غيتواتهم، قرب المصانع التي استقدموا ليشغلوا آلاتها، ليتبين فشل تلك السياسة الإقصائية لاحقا. كان المهاجرون حاضرين بملامحهم وسواعدهم دون أرواحهم. بصفة القادمين هم من تركيا والمغرب وتونس حينها. وحين تُرحَّل توابيت بعض العمّال الأتراك أو المغاربة إلى أوطانهم، يُكتشف حينها أن الشخص من أتباع الديانة الإسلامية، وأنّه آثر أن يدفن في وطنه لا أن يُواري جثمانه الثرى في أرض أجنبية، على حد تعبير الكاتبة الألمانية جيرديان جونكر.

لكن تلك السياسة الألمانية تطلبت مراجعات عميقة لتلك الخيارات، التي تبيّنَ بالفعل لا واقعيتها وتخلّفها. فالتنوع القادم نحو ألمانيا في التاريخ المعاصر، والمتمثّل في جموع الأتراك والإيطاليين والصرب والتونسيين وسكان المغرب الأقصى، والمتراكم فوق القديم ليس نشازا تاريخيا وليس إسهاما اجتماعيا خارجا عن المألوف. فقد تواجدت في ألمانيا مكونات أخرى أقدم عهدا، انضمت إلى النسيج الأهلي منذ قرون عدة، (الدنماركيون قرابة خمسين ألفاً؛ الفريزونيون قرابة عشرة آلاف؛ السينتيون والغجر يقاربون سبعين ألفا، وغيرها من الأقليات الحاضرة منذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وعشية هيمنة النازية تم تجميع ما يناهز 500 ألف من السينتيين والغجر في محتشدات. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف