• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

علي أبوالريش مرتاباً في لغز الكون

نزهة في رحاب العقل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يناير 2015

ساسي جبيل

يأخذك الكاتب والإعلامي علي أبوالريش في رحلته التأملية الجميلة، التي نثرها في مؤلّفيه الأخيرين الكون الارتيابي من خلال (غريزة الموت) و(العقل الجبار في ذمة الدكتاتور)، إلى عوالم أخرى ربما لم تفكر فيها إلا لماماً ولم تسبر أغوارها إلا شذراً. وهذا هو قدر الكاتب دائما: أن يكون مختلفا ومعانقا بحَرْفِهِ مشاهد أبعد من أن يراها الجميع بالعين المجردة، أو أن يخوضوا غمارها كما فعل في تجربته الذاتية الممتدة منذ عقود، وهذا ما قرأناه وراء سطور الكاتب في كتابيْه.

غريزة الموتالجزء الأول الممهور بـ (غريزة الموت) مهّد له أبو الريش بشكل فلسفي من خلال تأكيده على العلم؛ حيث لا شيء يخضع للصدفة بوصفه ارتباطا وثيقا بين السبب والمسبب، معرّجا على أن تتبع المسار النفسي وفرز ميكانيزماته النفسية يوضح أن هذا التكوين النفسي شبيه بالتكوين الجسدي، إذ يقول: «إن النفس البشرية تبدأ بنفي البداية الأوائلية لتكوّن الجسد»، فالإنسان حسب الكاتب هو مجموعة من الغرائز التي تنمو بالتدرج الزمني ولا مجال لتحديد الشخص السويّ من الشخص المريض نفسياً، فالمسألة تخضع للنسبة والتناسب من خلال التشخيص الإكلينيكي، ففي حين تعد بعض الظواهر النفسية في بعض المجتمعات شاذة، نجد أنها طبيعية في مجتمعات أخرى بحسب سياقاتها وعاداتها وتقاليدها ودينها وبُناها الفكرية، ذلك أن تركيبتها الاجتماعية هي المحدد للقيم المتداولة والتي من شأنها أن تمثل المقياس والمحرار الذي يتصرف وفقه الناس في هذا الإطار، وكل شذوذ عن الرأي المتداول هو ليس بالضرورة مرضا نفسيا، كما أن الامتثال للسائد الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن الشخص سوي.

ويخوض الكاتب الإماراتي في مجال الموت كمفهوم لم يتناوله التحليل النفسي حيث لا يتجاوز الأمر عندهم سوى غريزة كامنة في الذهنية البشرية «تمارس غيّا وسطوة وفعلا تدميريا في الذات المجبولة على حب الحياة، والجموح دوما تجاه النشوء والارتقاء وتحقيق أقصى ما يمكن من الثبات عند ناصية الخلود». ويستطرد أنه منذ اكتشاف سيجموند فرويد اللاشعور لدى الإنسان «تفجرت عناصر الجرأة والطموح اللامتناهي لدى علماء النفس في الغوص عميقا في أحشاء النفس البشرية والبحث عن ميكانيزمات القوة والضعف في الإنسان».

وكل ذلك جعل الإنسان يفكر في الموت ويصارعه بوسائله الدفاعية المختلفة، من خلال آليات متعددة، يمر بها الإنسان عبر تجاربه المتنوعة في الوجود، وهي تجارب تختلف من شخص إلى آخر بحسب الظروف المرتبطة به والآليات التي ترسم رؤيته.

ومن هنا ينتقل بك علي أبو الريش إلى الموت كغريزة تنبع أساسا من رؤية فرويد الذي يرى أن غريزتي الموت والحب ما تزالان متفارقتين، بينما تنصهران معا تدريجيا خلال النضج، حيث يعمل الحب على تحييد غريزة الموت، ويذهب الكاتب إلى أن العلم لم يكن باستطاعته أن ينتصر على الموت ككائن متوحش مفترس يجهز على الكائن، فالموت معادل موضوعي للحياة ويقف حائلاً دون تحقيق الهدف المنشود لخلود الكائن البشري، مما جعل الانسان يفكر في حلول أخرى لمقاومة طاغوته، وذلك «لإثبات أن الانسان كائن أبدي لا يسومه الموت إلا رغبة مضاعفة في إثبات الوجود وتقدير الذات»، ولأجل ذلك اعتمد على ما يمكن وصفه بالحيل الدفاعية التي اختلفت عبر تاريخ الإنسان في مختلف العصور، وهو تاريخ يختلف من زمن إلى آخر.

والكتاب هو محاولة للإجابة عن كثير من الأسئلة عن الموت، وحوله، ورحلة في غريزة طالما درست من طرف الباحثين والمؤرخين والعلماء وغيرهم، والذين أكدوا أن «السلوك الإنساني يتحدد إزاء الموت نفسيا، بما تدل عليه معتقداته وتكهناته وطرائق معالجته لقضية الموت للبقاء حيا أبديا». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف