• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
  01:05    رئيسة وزراء بريطانيا :نعتزم عقد شراكة استراتيجية مع دول الخليج لمواجهة التهديدات الإيراني        01:09    مقاتلو المعارضة في حلب يطالبون بإجلاء نحو 500 حالة طبية حرجة من شرق المدينة تحت إشراف الأمم المتحدة    

عرض «تحولات حالات الأشياء والأحياء» لمسرح الشارقة الوطني

الدمى تحاكم قسوة البشر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 27 مارس 2016

إبـراهيم الـملا (الشارقة)

قدمت فرقة مسرح الشارقة الوطني مساء أمس الأول (25 مارس 2016) على مسرح قصر الثقافة في الشارقة عرضها المسرحي (تحولات حالات الأشياء والأحياء) ضمن عروض المسابقة الرسمية للدورة 26 من أيام الشارقة المسرحية، وكان سؤال المغامرة القصوى، أو هاجس التحدي الأكبر بالنسبة لمخرج العرض محمد العامري، هو في كيفية تحويل نص كتبه الراحل قاسم محمد، وبمستوياته المركّبة واعتماده الكلّي على الحوارات والانفعالات الافتراضية للماريونتات أو الدمى الخشبية، إلى صيغة بصرية وفرجوية تعكس وبعمق نبض الآمال والأشواق في دواخل هذه الدمى، وصولاً إلى هدفها المستحيل بتقمص الحالة الإنسانية، والتماهي مع المشاعر والأحاسيس التي تحكم البشر، سلبياً وإيجابياًً، ضمن اختبارات وجودية قاسية، قد تضع أحلام وتطلعات هذه الدمى في دوائر كابوسية، وداخل مناطق محفوفة بالخيبة والخطر.

التحدي الآخر الذي واجهه العامري ونجح في تخطيه بتفوّق، هو وضع الممثلين الخمسة المشاركين بالعرض داخل التكوين الحسّي، والآخر التجريدي، الذي تختزنه الدمى الخشبية، والانتقال بالتالي من حالة الثبات والجمود، إلى حالة ديناميكية وتعبيرية تتجاوز الصورة النمطية للعرائس الخاضعة لمحركيها في مسرح الحكواتي. يذكر العامري في مدونة العرض أن المسرحي الراحل ومؤلف العمل قاسم محمد كان قد قدم له قبل سنوات ورقة بعنوان (فقه التمرين)، وأشار عليه أن يقرأ هذا الفقه مرّات ومرّات، ويضيف العامري في المدونة: «الفنان الحقيقي عطاؤه لا يتوقف، خلال حياته، وبعد وفاته، أستاذي قاسم، عطاؤك مستمر، وأعمالك ستبقى متجددة، وروحك سترفرف هذا المساء على خشبة المسرح». ويبدو أن فقه التمرين الذي استفاد منه العامري قد تجسّد في الإضافات والابتكارات والمعالجات الثرية التي أجراها على النص الأصلي من خلال تفكيك هذا النص وتطويره على الخشبة، معتمداً على تشظيات سمعية وبصرية وأدائية احتفظت بمغزى الحبكة الأساسية، وذهبت في التجريب إلى حدوده الفائضة بالخيال، وإلى حوافّه المخترقة للتشيؤ والتخشب في منطق الدمى، وصولاً إلى منطق مغاير ومحتشد بمعايير الأنسنة واقتحام مختبر الحواسّ. يبدأ العرض بفلاش باك استباقي، تشبه اللقطة الاختبارية في السينما قبل الدخول المباشر إلى أرض الحكاية، فنرى دمية خشبية مرمية أمام ستارة العرض، وهي تستغيث وتتوسل وتطلب من القابعين خلف الستارة بأن يفتحوا الباب، وبعد لحظة إظلام ترتفع الستارة، ونرى الإضاءة مركزة على صندوق صغير وبداخله عرائس تتحرك على هوى ومشيئة الأصابع البشرية المتحكمة بها، وتقوم هذه العرائس بتنفيذ أدوارها المرسومة وتشمل عدة شخصيات تتحاور وتتصارع في البعد الواقعي والاستعبادي المحصورة فيه.

وبنقلة ذكية وانعطافة مهمة في مسار العرض، يقوم المخرج بتضخيم الصندوق الصغير وبكل ما يحتويه من ديكورات ودمي، وتجسيده كاملاً في الفضاء العام للعرض، ليتحول المنظور الواقعي والمقموع في المشهد الافتتاحي، إلى منظور تخيلي وانفعالي وحرّ بالنسبة للدمى الخمس التي جسدها على الخشبة كل من: رائد الدالاتي، وناجي جمعة، وسليمان واكد، وعبدالله المقبالي والفنانة عذاري السويدي.

ستكون نقطة التحول هذه هي مفتتح اللعبة المدوخة والضارية التي تعمل على توريط الجمهور وإقحامهم في دهاليز ومتاهات العرض، خصوصاً عندما تبدأ الدمى في التحول من أشياء إلى ذوات، وتستيقظ في دواخلها غريزة التمرد، والاحتجاج والإدانة والمحاكمة الصارخة لقسوة البشر، وبالتحديد أصحاب الدمى الذين باتوا يمارسون معهم أبشع صور الاضطهاد والاستغلال في عروضهم التجارية والتسويقية المربحة، ويصل الأمر بإحدى الدمى وهي دمية المهرج إلى التعبير صراحة عن رغبتها في التحول إلى كائن بشري، وخوض مغامرة الخروج إلى عالم الإنسان، واختبار مشاعره الحقيقية، وأهمها بالنسبة للمهرج، هي مشاعر الحب، التي لم يستطع أن يفهم طبيعتها ودوافعها، وهو في حالته المتخشبة والمنذورة للصمت والجمود والعزلة.

ورغم التحذيرات الكثيرة التي قدمها أصحابه في صندوق الدمى، فإن المهرج يصر على كسر الحاجز الذي يفصله عن عالم البشر، وتخطي النقطة المستحيلة التي تعزله عن كينونة الإنسان، يهبط المهرج فجأة مثل ملاك محطّم في قلب المدينة، حيث نجد مجاميع من البشر المشغولين بأمورهم المادية والحياتية، وهم يطوفون حوله ولا يشعرون به، وعندما يصطدم به أحدهم، يتحول إلى لعبة ثم إلى سلعة تجارية بينما يقوم شخص آخر بإطلاق النار عليه، ويجد نفسه وسط وجود شرس وجشع وممزق، ويقبع وحيداً ومنهدماً في ذاته وعلى ذاته، خائباً ومنكسراً، وكأن مغامرته التحولية، ورحلته الوجودية تلك، باتت أشبه بالسفر إلى الجحيم والهلاك، إنه أيضاً جحيم الإنسان وعدميته الأقسى من عالم الجمادات المحايدة والمنزوعة من الجشع والأنانية والشر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا