• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

أحياناً تسرب الحكومات معلومات للصحفيين لتوثيق العلاقة بهم. وأحياناً أخرى قد تُستخدم التسريبات للإضرار بالمنافسين في المجال العام

ترامب والحرب على التسريبات!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 25 فبراير 2017

تايلر كوين*

يفترض أن تكون التسريبات في السياسة، بصفة عامة، مسألة شديدة الخطورة، ولكن المسربين الفعليين لا تتم عادة مقاضاتهم في أغلب الأحوال. وكي أفهم هذه الأحجية، قرأت مجموعة من المقالات الشائقة بهذا الصدد. وكان أكثرها تشويقاً مقال «سفينة التسرب الكبيرة» بقلم ديفيد بوزن من كلية الحقوق بجامعة كولومبيا. ويؤكد «بوزن» أن التسريبات تخدم غرضاً للحكومة الاتحادية في أغلب الأحيان. وقد أشار استطلاع يعود إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي إلى أن 42% من كبار مسؤولي الحكومة، الذين شاركوا في الاستطلاع، يرون أنه من الملائم أحياناً تسريب معلومات للصحافة. كما أن الحكومة الاتحادية قد لا تتحرك لوقف التسريبات مثلما يفعل القطاع الخاص.

وأحياناً تسرب الحكومات معلومات للصحفيين لتوثيق العلاقة بهم. وأحياناً أخرى قد تُستخدم التسريبات للإضرار بالمنافسين في المجال العام. أو قد يقوم تسريب ما بدور بالون الاختبار للتعرف إلى مدى شعبية فكرة معينة. وقد تساعد التسريبات أيضاً الوزراء في دعم قائمة أولويات الرئيس. أو ربما تريد الحكومة الأميركية بها إخبار شعبها بشيء ما، دون أن تضطر إلى الإجابة على أسئلة عن التفاصيل. أي أن تستخدم الحكومة التسريبات كأداة للتعامل مع الصحافة والحفاظ على شعبيتها. وقد يتصدر تسريبٌ ما الصفحات الأولى، وإذا لم يخلق التسريب الأول الانطباع المرغوب فيه فإنه يمكن التحكم في تدفق المعلومات بتسريب آخر.

والتسريبات وسيلة أيضاً لتهديد الحكومات الأخرى ولكن من دون أن يضع الرئيس صدقيته على المحك. وعلى سبيل المثال، يمكن تسريب معلومات عن عدم سعادة مؤسسة الأمن القومي بشكل خاص بالتوسع في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وهذا ينقل رسالة من دون أن يُلزم الحكومة الأميركية بأي رد خاص إذا تم الاستمرار في بناء المستوطنات. أو يمكن أن تشير تسريبات إلى إرهابيين أجانب أو حكومات نعلم بما يدبرون له. وبالطبع، هناك تسريبات كثيرة غير مرغوب فيها، مثل الكشف عن أسرار الأمن القومي. والسؤال هنا: لماذا لا تبذل الحكومة الأميركية جهداً أكبر لمقاضاة مصادر التسريبات والمسربين غير المرحب بهم؟ لأننا إذا اتبعنا سياسة ملاحقة المسربين بصرامة، فلن تُسرب معلومات سوى تلك التي «توافق» عليها الحكومة، أو تريد تسريبها.

ولكن قد تشعر حينها وسائل الإعلام التي تتلقى التسريبات بأنها باتت أقرب إلى الأداة الطيعة، وقد تنأى بنفسها عن الإدارة القائمة بالتسريب. وبالتالي ينتهي الحال بالتسريبات بأن تصبح شيئاً لا يختلف كثيراً عن البيانات، وهو ما يعارض الغرض ذاته من التسريبات. وحينها قد تصبح التسريبات التي تشير إلى مخالفات، أو التي تهدد الأمن من هذه الفئة، ويتم التسامح معها بدرجة ما. والسؤال: لماذا إذن قاضت إدارة أوباما فجأة بعض التسريبات بحزم شديد؟ هل كان أوباما أكثر شغفاً بالسيطرة من الرؤساء السابقين؟ ربما يكون الأمر كذلك، ولكن قد يكون هناك أيضاً تفسير بديل أعمق. فما دامت السياسة تحكمها اعتبارات حزبية إلى حد بعيد، ربما يكون التحكم بحذر في تدفق المعلومات للعالم الخارجي أقل أهمية من ضمان الوحدة داخل الحكومة. ولذا، قد يكون السماح بتسريبات عشوائية أقل نفعاً، ومن ثم تكون صرامة الرئيس بشكل أكبر ضد بعض المسربين الأكثر خطورة، أقل تكلفة للرئيس.

ولننظر الآن إلى ترامب. فربما لا يكون ترامب مدركاً بوضوح لكل الزوايا الاستراتيجية، ولكن تصريحاته المناهضة للتسريبات توضح أموراً تتسق مع الاندفاع الأوسع نطاقاً في رئاسته. فأولًا، تمثل حملة مناهضة التسريبات مؤشراً آخر على أن الخطاب المباشر، بما في ذلك تغريدات تويتر، سيكون أداة رئيسة في التعامل مع التسريبات. ثانياً، هذا يشير إلى أن إدارة ترامب غير مهتمة بشكل خاص بتوليد تدفق إيجابي للمعلومات عبر مصادر وسائل الإعلام الاعتيادية من التيار الرئيس. ثالثاً، ما زالت لدى البيروقراطية الراسخة، وما يعرف باسم «الدولة العميقة»، تسريبات تخرجها متى تشاء.

أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج ميسون

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا