راجع مقولاته في «نهاية التاريخ» وقدم قراءة عادية للأحداث الجديدة

فوكوياما يعود إلى «بداية التاريخ»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 ديسمبر 2012

الطيب بشير

بعد عشرين عاما بأكملها من نشره لكتابه الشهير: “نهاية التاريخ”، الذي لاقى اهتماما كبيرا ورواجا واسعا في العالم بأسره، يعود فرانسيس فوكومايا هذه الأيام الى الأضواء بكتاب جديد، صدر تحت عنوان: “بداية التاريخ”، والمؤلف هو في الأصل مختصّ في الاقتصاد والفلسفة، ولم يكن معروفا قبل صدور كتابه الأوّل، ولكن حال خروج كتاب “نهاية التاريخ” للناس حتى أثار ضجّة وجدلا واسعا لدى النخب من السياسيين والأكاديميين، وأصبح مرجعا، وقد تمت ترجمته الى اللغة العربية والعديد من اللغات الأخرى، وقد حلل فيه المؤلف انتصار الديمقراطيات الليبيرالية بعد صراع طويل مع النمط السوفييتي، وقد استغل “المحافظون الجدد” في الولايات المتحدة الأميركية مضمون الكتاب للترويج لنظرياتهم والدعاية لها على الرغم من أن فرنسيس فوكومايا لا ينتمي اليهم، بل إنه أعلن على الملأ أنه من أنصار الرئيس الديمقراطي الحالي باراك اوباما.

والمؤلف، وهو اليوم في الستين من العمر، ولد بمدينة شيكاغو من أب ياباني مهاجر، ودرس الفلسفة والعلوم السياسية بجامعة هارفارد، وهو الآن أستاذ جامعي بجامعة بكاليفورنيا، حيث يقيم مع زوجته وأبنائه الثلاثة.

قراءة سياسية

ويعود فرانسيس فوكومايا بكتابه الجديد ليؤكد تشبثه بآرائه السابقة التي أظهر بعض النقاد عدم دقتها وبطلانها، وسعى الى الدفاع عن صدقية توقعاته وصواب تحليلاته السابقة على الرغم من أن هناك الكثير من النقاد والمحللين فندوا آراءه، واثبتوا بالحجة والدليل أن اجتهاده في قراءة الأحداث وتحليله السياسي جانبه الصواب أحيانا، وأنه أساء التقدير وأخطا في الكثير مما توقعه. فالمؤلف الذي طبقت شهرته الآفاق بعد صدور كتابه “نهاية التاريخ” لم يتوقع مثلا بروز اقتصاد رأسمالي في الصين وتعايشه مع وجود نظام سياسي مركزي لم يتبن الديمقراطية على الطريقة الغربية، كما أن فوكومايا لم يتوقع إطلاقا في كتابه “نهاية التاريخ” ما اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي”، ولم يتكهن في سياق تحليلاته عن المستقبل ببروز الإسلاميين وصعودهم الى سدة الحكم في بعض البلدان العربية التي ملّت الدكتاتوريّات.

والمؤلف لم يعترف اعترافا صريحا بأنه اخطأ، ولكنه اكتفى بالقول إنه أعاد النظر “في المسائل التي تعرض لها بالتحليل في كتابه الأول”، ويستدرك مؤكدا بأنه توصل في كتابه الجديد هذا الى الاستنتاجات نفسها التي سبق أن ضمنها في كتابه الأول وخلاصتها: أن أي مجتمع مهما كان لن يكون مجتمعا عصريا إلا إذا تبنى الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي.

واللافت ان فرانسيس فوكومايا يؤكد بأن هذا النظام السياسي الذي يصفه بالنظام القوي هو عرضة للانحدار والانهيار قائلا: “إن أي نظام سياسي مهما كان قويا غير محصن من الانهيار والانحدار، بما ذلك النظام السياسي الأميركي نفسه، وكذلك النظم الديمقراطية الليبيرالية في أوروبا”. والقارئ العربي لا يفوته أن هذه الفكرة الجوهرية لفرانسيس فوكومايا سبق أن حللها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون في “المقدمة” وشرح أسبابها وانعاكاستها.

ويحدد فوكومايا في كتابه هذا الركائز الثلاث الضرورية لاي نظام سياسي عصري، وهي: الدولة وسلطة القانون ومسؤولية الحكومة، ولا بد من وجود توازن ببن هذه الركائز الثلاث، مشيراً إلى أنه في العديد من الدول اليوم قد يتوافر نظام قضائي متطور ولكن تكون الدولة غائبة مثلما هي الحال الآن في أفغانستان. وهو يرى أن هناك اختلالاً موجود أيضا في روسيا والصين، ففي روسيا هناك دولة قوية وفي الصين توجد حكومة قوية ولكنها ترتكز على سلطة يصفها بـ: “سلطة طاغية”، في حين أنه في ليبيا ـ وحسب تحليل فرانسيس فوكومايا ـ فانه لا توجد اليوم أي ركيزة من الركائز الثلاث المذكورة آنفا.. أما في الهند فإن القوانين موجودة والقضاء متطور ولكن الحكومة غير فاعلة وتجد صعوبة في اتخاذ قرارات ذات جدوى لمقاومة الفقر. والمؤلف الأميركي يخشى أن الولايات المتحدة الأميركية تتطور في هذا الاتجاه.

وأجمع النقاد ان هدف هذا الكتاب هو التفكير حول نشأة النظم السياسية، وقد خصص المؤلف في هذا السياق الصين باهتمام خاص، ليقينه بأن الصين أنشات منذ القرن الثالث قبل الميلاد دولة عصرية مركزية تعتمد معيار الاستحقاق لكل المواطنين، وهو يؤكد أن النظام الصيني قبل 23 قرناً كان نظاما سياسيا عصريا، وسبقت الصين أوروبا بثمانية عشر قرنا بأكملها في هذا التأسيس وإنشاء دولة عصرية. واللافت أن فوكومايا يؤكد أن الصين سبقت أثينا والأمبراطورية الرومانية في إنشاء دولة لها هياكل وأنظمة، وتعمل وفق معايير يرى المؤلف أنها عصرية.

ويحلّل المؤلف فرانسيس فوكومايا في كتابه الجديد النظام السياسي والاجتماعي في الدانمارك باعتباره نموذجا يحتذى به حتّى بالنسبة للدول المتقدمة، من حيث جودة المؤسسات السياسية والاقتصاديّة، واستقرار البلاد، والتضامن القوي بين سكانه.

ويتساءل فوكومايا: الكل اليوم يبحث عن أجدى السبل لتتحول بلدان مثل الصومال ونيجيريا أو أفغانستان ـ على سبيل المثال ـ إلى بلدان تشبه الدانمارك في استقرارها ونموها ونظامها السياسي والاجتماعي؟، مبينا أن المجموعة الدوليّة قد حددت قائمة طويلة من الخصائص والمعايير الدانماركية التي يمكن ولو جزئيا تطبيقها وانجازها في الدول السابقة الذكر، والتي فشلت في مسارها نحو الاستقرار والديمقراطيّة إلى حد اليوم.

نظرة عربية

وفي فصل آخر من كتابه سعى المؤلف إلى تحليل الأوضاع العربية في بلدان مثل ليبيا ومصر وسوريا والعراق، ملاحظا أن القوى الاستعمارية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية نصبت بعد خروجها أنظمة سرعان ما وقع الانقلاب عليها من نظم عسكريّة قوميّة لائكيّة، وركز القائمون عليها حكما كانت فيه السلطة التنفيذية قويّة ومطلقة لا تحدها البرلمانات أو السلطة القضائية، وتم في دول عربية كثيرة تقليص دور “علماء الدين”، كما أن عددا من هذه الأنظمة تحولّت إلى ديكتاتوريات قمعيّة لم تستطع تحقيق نمو اقتصادي ولم تمنح المواطنين حرياتهم الفرديّة.

ويستشهد فوكومايا بالمؤرخ واستاذ مادة الحقوق في جامعة هارفارد ذائعة الصيت والمختص في الاسلاميات نوا فلدمنNoah Feldman الذي يرى بأن بروز الإسلاميين في بداية القرن الواحد والعشرين وصعودهم إلى الحكم في بعض البلدان العربية والمطالبة بالعودة إلى الشريعة، جاءت تعبيرا عن عدم الرضا عن تسلط الأنظمة الديكتاتورية التي حكمتهم طيلة عقود، كما أظهر المحلل المختص أن هناك حنيناً إلى عصر كانت فيه السلطة التنفيذية تحترم القانون، وقد كان فلدمن مقتنعاً تمام الاقتناع بأن المطالبة بالعودة إلى الشريعة في بعض الدول العربية لا يجب فهمها كحركة رجعيّة نحو القرون الوسطى، ولكنها رغبة للعودة إلى نظم سياسية أكثر توازنا، مؤكداً بأن هناك رغبة وطموحا للعدالة، وأن بعض الأحزاب ذات التوجه الإسلامي تحمل في تسميتها هذا المعنى، وهو ما يعكس رغبة في أن يقع معاملة الجميع معاملة عادلة أمام القانون، أكثر ممّا تعبّر عن رغبة في العدالة الإجتماعيّة.

والمؤلف يشير بأن هناك إمكانية بالنسبة للنظم الإسلامية الجديدة الحديثة لارساء سلطة ديمقراطية، تسود فيها المساواة أمام القانون. مؤكداً أنه في كل المجتمعات العصرية فإن الشكل القبائلي الذي عرفته المجتمعات قد ترك مكانه إلا في حالات نادرة لنظام سياسي يعتمد المؤسسات المرتكزة على دولة مركزية ضامنة للأمن ولسيادة القوانين المنظمة للعلاقات بين المواطنين.

وإذا كان الغرب يعتبر هذه المؤسسات مكسبا لا رجعة فيه فإن مثل هذه المؤسسات غائبة أو غير فاعلة في الكثير من الدول الأخرى اليوم، مما أدى الى نتائج سيئة تنعكس على بقية دول العالم.

والمؤلف اعتمد في النظريات والاستنتاجات التي قدمها في هذا الكتاب على التاريخ والآثار أيضا، وطبعاً السياسة والاقتصاد.

ويصف الناشر الفرنسي، الذي أصدر الكتاب في طبعة باللغة الفرنسية، فرانسيس فوكومايا بأنه أحد أكبر المفكرين في عصرنا، وهذا التقييم هو أقرب إلى الدعاية منه إلى التقييم العلمي الموضوعي.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف ترى الإبداعات التي تنشر في الملاحق الثقافية؟

ممتازة
جيدة
مقبولة
ضعيفة