• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

للشّاعر الفرنسي جيل براسنيتزار

أوسيب مندلشتام.. شقيقنا اللاّزمني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مارس 2016

ترجمة - احمد حميده

يخبرنا فيليب جاكوتّيه بما يلي:

«يقال إنّ مندلشتام، وهو في منفاه بالغولاغ في سيبيريا، حيث أمضى آخر سني عمره، كان يتلو أشعار بيترارك أمام بقيّة السجناء. ورغم ضراوة الجوع وقساوة البرد، كان هؤلاء المساجين ينصتون إليه، وكذلك كانت تفعل الطّيور السّوداء التي كانت تتوقّف لحين عن الدّوران حول الموت، الموت.. الذي بات الخلاص الأوحد لهؤلاء المنفيين. اللّه وحده يعلم عمق المسافة التي تفصل بيترارك، الشّاعر المتوهّج، عن هؤلاء المبعدين شبه العراة».

ويضيف قائلاً: «إنّ الشّعر في هذه الحالة شبيه بقطرة الماء بالنّسبة لمن عميت عليه السّبيل في الصّحراء، شيء ما يُلمح إلى زمن لانهائيّ ويساعد على العبور واجتياز الأسوأ. لقد تردّدت روايات عن كوليما، جحيم مخيّمات الإبعاد الرّوسيّة، تفيد أنّ الشّعر لم يكن ذريعة للهروب من الواقع، بقدر ما كان معتصماً نابضاً بالحياة، والشّعر يتحدّث دوما باسم الحياة».

وتلك الكلمات باسم الحياة، كانت ستشرد منّا لولا الحبّ الجنونيّ لنديجدا ماندلشتام، الذي حملها على حفظ قصائد زوجها عن ظهر قلب وإخفاءها في غيهب سرّها، حيث لا يتمكن زبانية ستالين من الوصول إلى مخبئها.

لقد تمّ بعناية شديدة حرق وإتلاف كلّ كتابات مندلشتام، ولكن صوت زوجته، والذّاكرة المُخلصة لهذه المرأة، أنقذت تلك الكتابات من التّلاشي في صقيع ليل النّسيان، وروايتها المؤلمة «ضدّ كلّ أمل»، ستكون شهادة نابضة على المقاومة الأخلاقيّة والرّوحيّة للإنسان في مواجهة العدم بمحتشدات النّفي والإبعاد.

من بين الشّعراء الرّوس الذين أعدمهم ستالين، يظلّ مندلشتام العلامة الكبرى، ورمزاً لتلك البربريّة الشّرسة التي أبداها هذا الطّاغية في تصفية المبدعين؛ لأنّ مندلشتام غدا في زمنه من الشّعراء الرّوس الأعلام، إلى جانب آنّا أخماتوفا وبوريس باسترناك. ونحن إذ نذكره، نستحضر صورة ذلك الكائن النّحيل الذي أضحى بالكاد قادرا على الاستناد إلى الأرضيّة الخاوية لحياته، خاصّة في أيّامه الأخيرة، حين أطبقت عليه الدّوائر الجحيميّة لمحتشد كوليما. ولكن لا ينبغي أن تحجب عنّا صورة الضحيّة تلك، ملامح ذلك الكائن الرّائع المهووس بالحياة، اللاّمع بصورة لا تصدّق، الممعن في الإصغاء للآخرين، المنغمر في الموسيقى والمترحّل فوق اللّغات التي كان يكتسبها بالسّليقة. لقد كان مندلشتام الذّهول ذاته، نارا متوهّجة، يدور دوران الدوّامة داخل الكلمات. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف