• الاثنين 03 جمادى الآخرة 1439هـ - 19 فبراير 2018م

البيوت أسرار

حائر بين امرأتين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 04 يناير 2013

نورا محمد (القاهرة) - رحم الله أخي الأكبر، فقد توفي بعد معاناة مع المرض، وترك في نفوس الجميع حزناً دفيناً، فنحن أسرة مترابطة متحابة، لها طقوس لم يكن لها وجود في هذا الزمن، فرغم انشغالاتنا وتزايد أعدادنا، فإننا لا بد أن نتناول كل الوجبات معا بشكل جماعي، ما زال الرجال عندنا قوامين على النساء، واحترام الكبار ورحمة الصغار، والالتزام بالعادات والتقاليد التي يرى الناس اليوم أنها بائدة.

ترك أخي أربعة أطفال أكبرهم عمره ستة أعوام وأصغرهم رضيع عمره بضعة أشهر، كلما نظرنا إليهم تجددت أحزاننا وتضاعفت، مع أننا نبذل قصارى جهدنا لرعايتهم والاهتمام بهم، لكن الجديد في الأمر أن وضع زوجة أخي لم يعد مقبولاً أن تظل تعيش بيننا ونحن نقيم في بيت واحد، لم يكن هناك اختيارات إلا واحداً من اثنين، الأول أن ترحل عائدة إلى بيت أبيها، ولكن لصغر سن أبنائها، فإنها ستصطحبهم معها، وهذا غير مقبول بالمرة لأننا نرفض أن يتربى أولادنا في بيوت عائلة أخرى، خاصة وأننا لا تربطنا صلة قربى، وقد لقيَّ هذا الاختيار رفضاً بالإجماع، أما الخيار الثاني، فكان ما طرحه أبي وقدم له بمقدمة طويلة استفاض في الشرح والتوضيح حتى يحاول تهيئة الجميع، وخاصة أنا لقبوله، كان الاقتراح الذي يرتدي ثوب القرار أن أتزوج أرملة أخي من أجل الصغار حتى يشبوا في بيتنا وأمام أعيننا وتظل المرأة بيننا بهذه العلاقة الزوجية المشروعة تفاديا للقيل والقال، وهذا الاختيار أيضاً لقي رفضاً من الجميع، خاصة أمي وأخواتي.

لم نصل إلى قرار بسبب المفاجأة التي شوشت التفكير ووضعت الجميع أمام حسابات كثيرة متشابكة ومتداخلة، لكن الأمر يخصني بشكل مباشر أكثر من غيري، فأنا لا أتصور ولا أتخيل أن أحل مكان أخي وأن أتزوج زوجته، خاصة وأنا أتعامل معها مثل أخواتي وأكن لها كل الاحترام، ولا يمكن أن أفكر فيها كزوجة أو امرأة، وفي نفس الوقت، فإن عمري الآن لم يتعد السادسة والعشرين، وبالفعل كنت قد بدأت افكر في الزواج، لكن من فتاة أحلامي وفي الحقيقة لم تكن فتاة معينة، ولكن المواصفات محددة في رأسي، غير أن الأمر هنا مختلف وهذه الزيجة المطروحة لم تكن طبيعية، وإنما تأتي في ظروف مغايرة تماماً، والهدف من ورائها بوضوح هو رعاية الصغار، وببساطة هي تضحية ولا وصف آخر يمكن أن ينطبق عليها، وإذا كان الأمر كذلك، فإنني مستعد للتضحية بأي شكل وإلى أقصى مدى، وبعد نقاش طويل مع نفسي وبعد أن قلبت الأمر على كل جوانبه وافقت على تلك الزيجة.

وبنفس المنطق تخلى الجميع عن تحفظاتهم وتقبلوا، بل رحبوا بالاقتراح بعد أن رأوا فيه وجاهة وليس من أجل الزواج، وهو يركز أساساً على رعاية الصغار والحرص على مستقبلهم، وبعد عام ونصف العام تقريباً تقرر عقد القران، يومها لم تكن أي فرحة أو سعادة وتجددت الأحزان على أخي، لا مظاهر للاحتفال إلا الإشهار، حتى الليلة الأولى قضيتها في غرفتي القديمة، كانت هناك بالطبع حواجز نفسية من جانبي ومن جانب زوجتي لم ترفع بسهولة، وبدأت علاقتنا بالحديث عن الرضا بالقضاء والقدر وأمر الله، والنظر إلى المستقبل وأن يكون الأطفال هم هدفنا الوحيد.

احتضنت الصغار وتفانيت في الاهتمام بهم أكثر من أبيهم، ورزقت من زوجتي بعد ذلك بأربعة أطفال آخرين تباعاً، وانصهر الأخوة الثمانية، فتلك أمهم وأنا أب للجميع، ولم يكن هناك تمييز بينهم لأنهم جميعاً يحملون لقب العائلة، من لم يعاصر ظروفنا لا يعرف أن هؤلاء أبناء أخي وأولئك أبنائي، فلم تكن هناك فروق من أي نوع، فالمأكل والمشرب والملبس لهم جميعاً بالتساوي، خاصة وأن أبي قرر تقسيم ممتلكاته في حياته طبقاً لتقسيم الميراث، وذلك على خلاف عادتنا، ولكنه لجأ إلى ذلك من أجل أن يحدد الأنصبة، وحتى لا تكون هناك خلافات بين الورثة فيما بعد، وأيضاً لأنه أراد أن يحدد نصيب أبناء أخي، وبالفعل تم ذلك، ولكن تم دمج نصيبي ونصيبهم ونعيش منه كله، بجانب وظيفتي، وإن كان الاعتماد أصلاً على دخلي من عملي لأن ما آل إلينا من التركة محدود ولا يكفي أسرتي المكونة من عشرة أفراد.

رغم هذا العدد من الأطفال بيني وبين زوجتي وعشرة امتدت إلى ما يقرب من ثماني سنوات، فإن علاقاتنا ما زالت جافة، نتعامل من خلال أقنعة على وجوهنا، لا مثل كل زوجين، فهي قبلت تلك الزيجة حتى لا تخسر أبناءها وكي لا تبتعد عنهم، وأنا من جانبي كان لنفس السبب، لكن العشرة لم تخلق أي نوع من المشاعر ولا حتى الألفة بيننا، فكانت حياة روتينية رتيبة لا تخلو من الملل، ولم يكن الهدف الذي ضحينا من أجله كافياً لأن نكون مثل أي زوجين، في الحقيقة أنني لم أتزوج وإنما أؤدي مهمة صعبة عنوانها التضحية فقط، ومع ذلك فإنني لست نادماً على ما قدمت، ولكن بطبيعتي البشرية من حقي أن أعيش مع زوجة ويكون بيننا تفاهم ومودة ورحمة، وإلى الآن لم أتخط الخامسة والثلاثين من عمري. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا