• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

شُكراً للشـعْـر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مارس 2016

محمد بنيس

1.

الشعر لا ينام. هو في الأعماق القصية لمحيطات الكلام يتموج ليل نهار. هناك، في تلك الأعماق التي لا يراها إلا العاشقون للحرية والإبداع، يحمي المعنى ويمنحه قوة الضوء الذي لا يخبو. كذلك استقبلته اللغات عبر تاريخها، والشعوب في حضاراتها. لا نعرف لغة يغيب عنها الشعر، ولا نعرف شعباً لا يتغنى بالشعر. الشعر سيد اللغة ـ اللغات، يوحِّد بينها ويؤلف، رغم ما تعانيه الشعوب في فترات من آلام القطيعة بينها وبين شعوب أخرى بسبب الحروب والهيمنة والاستعباد. شيء ما يحيا في الشعر ولا يموت. وبه تحيا اللغات ولا تموت. قلْ هو الشعلة التي تتقد بين الكلمات، قلْ هو الماء الذي يتدفق من شفافية الإيقاع وطبقاته المحجوبة، قلْ هو الهواء الذي تتنفّسه الحروف.

كل مرة أقرأ فيها شعراً عظيماً أسأل نفسي: كيف لا أحب الشعر وأرفعه إلى الأعالي، فيما هو بدفقة مقطرة من الأنفاس في الكلمات يؤجج في دواخلي الحيرة ثم الحيرة؟ أحياناً ألاحقه فلا أقبض إلا على الجمر، وأحياناً ألتقيه فلا يبقى مما أقرأ غير الهسيس. أليس المحيّر في الشعر هو ما يقودنا إلى محاولة تحديده بصفات لا حدود لها، ثم في النهاية نصل إلى القول بالعجز عن الوصف، أو العجز عن التعريف، أو العجز عن التلخيص؟

هي تجربة امتدت عبر مراحل الحياة، حياتي. وها أنا دائماً في النقطة نفسها، مع كل شعر أكتشفه وأكتشف لانهائية اللغة فيه ولانهائية الإبداع. كما لو أنني أعاتب نفسي على ما أجرؤ عليه أحياناً من التبرؤ من الشعر، والانسياق وراء أحكام تتداولها وسائل الإعلام عن نهايته، عن لا جدواه والتبرؤ منه. أو يتبادلها المتعجلون، الهاربون من دواخلهم حتى لا يشعروا بضآلتهم في حضرة القصيدة.

2.

من أجمل ما تعلمتُه من الشعر هو ما لا ينتهي فيه. أقصد المدهش، وأقصد المجهول واللانهائي. هذا البعد الخفي، الذي يصدمنا عند قراءة كل قصيدة متفردة، هو وحده الذي يدلنا على الشعر ومعنى الشعر. على الذي نحسه فيه ولا نعرف كيف نسميه، لكنه هو نفسه الذي يدفعنا إلى الانكباب على قراءة معارف متعددة، تجتمع حول الشعر، لتدل القارئ على الجذوة التي لا تهمد فيه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف