• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الشعراء ‬يحرسون ‬هشاشة ‬العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مارس 2016

د. فتحي المسكيني

«لماذا الشعراء.. في الزمن الرديء؟»- هكذا تساءل هلدرلين في مطلع القرن التاسع عشر، ضمن نشيده الكبير خبز وخمر، وفرض على الفلاسفة من بعده ضرورة رسم إجابة ما تكون على قدر هول ما سمعوا من الشاعر الأقصى نفسه، ذاك الذي حوّل الكتابة إلى تمرين حقيقي على جنونه الخاص، وعبثاً حاول كانط أو هيغل أن يعيدوا الشعر إلى حظيرة الفنون الجميلة، نعني إلى أن يقبل بأن يواصل تقلّد وظيفته منذ الإغريق: تخييل اللاوجود بوسائل بشرية وتحويله إلى حكاية (‏muthos) ‬ملائمة ‬لطمأنة ‬الأطفال ‬على ‬مصير ‬العالم، ‬لكنّ ‬سؤال ‬هلدرلين ‬ينتمي ‬إلى ‬صنف ‬آخر ‬من ‬الحيرة: ثمة ‬بقعة ‬أخلاقية ‬استثنائية ‬بقدر ‬ما ‬هي ‬فارغة ‬من ‬المعنى ‬اسمها ‬الإنسانية.

كان الشعر منذ أوّل أمره على علاقة طيّبة بالجنون. وقال ديمقريطس سابقاً: «لا يمكن أن نكون شعراء دون قدر ما من الجنون». وطمأننا أفلاطون بأنّه «متى أصابه الحبّ يتحوّل أيٌّ كان إلى شاعر». وكانت العرب تظنّ أنّ وراء كلّ شاعر هناك جنّية ما، تحرس جنونه وتخفيه عن أعين الفضول القبَلي للعقلاء.

كيف يجدر بنا، نحن سكّان آخر الزمان الذين تحدّث عنهم القدماء، أن نفهم هذه القرابة المبكّرة بين الشعر والحب والجنون؟ إنّ ما يجمع بين هذه الأحوال الحدودية الثلاثة مع أنفسنا العميقة هو هذا: أنّها تشهد كلّها بأشكال مختلفة على استحالة الحياة - أيّ حياة - بما هي كذلك، نعني تشهد على هشاشة العالم كما يقترح نفسه على الإنسانية.

أن نكتب الشعر مثل أن نحبّ أو أن تقع عقولنا تحت غيمة جنون ما. كلّها حالات ترفع حدوداً ما كنّا نظنّ أنّها حدود العالم كما عشنا فيه أو كما ألفناه إلى حدّ الآن. والحال أنّ ما يميّز الإنسان المعاصر هو كونه الجيل البشري الوحيد وغير المسبوق الذي رفع كمّاً هائلاً من الحدود، مع ذاته أو مع مجتمعه أو مع عالمه، كان الإنسان التقليدي لا يشرئبّ إليها حتى في الحلم، لكنّ رفع الحدود لا يكفي كي يتحوّل أحدهم إلى شاعر، كما لا يكفي أن تكون لنا مشاعر حتى نحبّ، وكما لا يكفي أن نفقد عقولنا اليومية حتى نجنّ.

لسنا محميّين ضد الشعر

ما هو مؤكّد لدينا اليوم هو أنّ الشعر لم يعد يقع خارج أسئلة الفلاسفة عن الحقيقة أو بعيداً عن تأمّلاتهم القصوى حول شكل الحياة التي لا تزال متاحة في أفق البشر. ومع ذلك فإنّ حدود الشعر صارت أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى. قال زرادشت نيتشه سنة 1884: «والحقّ أنّني أخجل من أنّه لا يزال ينبغي عليّ أن أكون شاعراً». ممّ يخجل الشعراء؟ إذن. وربّما في سياق أكثر نضجاً من حيث رعبه وفظاعته، أتى أدرنو سنة 1949 إلى قول جملته المثيرة: «أن نكتب الشعر بعد أوشفيتس هو عمل بربريّ». ما البربريّة في كتابة الشعر بعد المحرقة؟ ألا تحتاج الإنسانية إلى شعراء يحرسون ذاكرة الموتى خارج أقدارهم؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف