• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

صناعة الفخار في البحرين.. مهارة يدوية تعكس التأقلم مع البيئة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 25 ديسمبر 2015

المنامة (إينا)

تعد الصناعات الفخارية من أكثر أنواع الأعمال التي اشتغل فيها أبناء البحرين قديماً، كما تدل على ذلك حفريات المواقع الأثرية التي تم الكشف عنها، ويمكن أن تجد ملامح عديدة لها في المتحف الوطني والعسكري، والتي تشير إلى أن تلال جنوب الجزيرة البحرينية (المحافظة الجنوبية الآن) توافرت بها أكثر المواد صلاحية من قبيل الرمل الأحمر والأبيض والأسمر، والتي كانت تُستخدم بعد عملية فنية معقدة من البحث والجمع والتجهيز في صناعة أدوات الطهي الفخارية وقدور حفظ الماء، فضلا عن الآنية ذات الزخارف الجمالية المتعددة.

وكان الحرفيون المهرة، الذين يتركزون في منطقة عالي بالأساس، يجلبون الطين الخاص بهذه الصناعة من منطقة الرفاع، ومن ثم يضعونه في أحواض مخصصة لهذا الغرض، ويصبون الماء عليه، ويبدأون في عجنه بأرجلهم، حيث كانت عملية العجن تستغرق منهم ساعات، ويتركون هذا الطين ليالي، وربما أياماً حتى يتخمر، إن صح هذا التعبير، الذي سكه أبناء المهنة للتدليل على إمكانية بدء تشكيل هذا الخليط بسهولة وإخراجه بالصورة الفنية المطلوبة.

وتبدو مهارة الفني البحريني العامل في مهنة صناعة الأواني والأوعية الفخارية بأشكالها وأحجامها المختلفة بالنظر لأمرين: أحدهما يتعلق بتلك التقنيات الفنية العالية التي كانت تمكن صانع الفخار البحريني من معرفة نوعية الرمال المستخدمة، وأكثرها صلاحية لعمله، حيث كان هذا الرمل يتسم بسمات معينة من ناحية الجودة وسهولة التشكيل عن طريق ما يسمى بـ «الويل» أو «الدواليب».

والدواليب هي عجلة بدائية قديمة، وإن كانت ما زالت مستمرة حتى الآن، حيث لم يُدخَل عليها تعديلات ميكانيكية جوهرية، وتعد آلة صانع الفخار البحريني الرئيسة، وبها يتم تشكيل مادته، إضافة إلى معدات صغيرة أخرى لا تخرج عن الخيوط وقطع من القماش والخشب أو الصفيح، وبها يستطيع صانع الفخار أن يشكل منتجه، أو يزيل الزوائد منه، أو يزينه ويزخرفه بأشكال هندسية معينة. و«دولاب» صانع الفخار آلة مكونة من قرص مسطح من الخشب أو الحديد توضع أمام الفني المتخصص، وهي أشبه بطاولة التصميم والتخطيط والتنفيذ على السواء، ويرتكز فوقها الطين الرطب، وعليها يتخذ شكله النهائي.

ويُدار هذا القرص الخشبي أو المعدني بوساطة عجلة أخرى من الحجر، التي يحركها الصانع بإحدى قدميه، للتحكم في سرعة دوران القرص الخشبي الذي أمامه، وربما كان ذلك هو السبب في عدم دخول تقنيات ميكانيكية معينة على هذه الآلة القديمة، والتي تتيح للصانع التعامل مع الطين وفق السرعة أو البطء التي تحتاجها عملية تشكيل منتجه، والذي يتباين بدوره بتباين نوع الاستخدام والاستفادة منه.

ويشار إلى أن معامل صناعة الفخار كانت تنتج عديدا من الأشكال والمنتوجات، منها الأعمال الحرفية والزخرفية، وأطلق عليها الدوه والمكبس، والمباخر، ولعب الأطفال، فضلا عن أدوات وأواني حفظ الطعام والطبخ بطرائق استخدامها كتلك التي تدخل الأفران ويطبخ فيها مثل الجرة والبرمة والبستوكة والطنجرة والدلة وغيرها، أو يحفظ فيها البيض (حمالة البيض)، وتلك التي تحمل الشمع، وأخرى يحفظ فيها الأموال، ومنها لحفظ الماء ك «الزير» و«الجحلة» و«الحب» و«الجدوية».

أما الأمر الآخر الذي ميز صانع الفخار البحريني، فيتعلق بتلك الأنامل الماهرة التي يمتلكها، ومكنته من أن يحول قطعة من الطين الخالص، ويشكلها من الخارج ويصيغها من الداخل لتصبح آنية ينقلها إلى ساحات تُصف فيها حتى تقوم أشعة الشمس بعملية التجفيف، وعلى إثرها تنقل للأفران البدائية ذات الدرجات الحرارية العالية، والتي تكسب المصنوعات الفخارية قوتها وصلابتها.

ولذلك لم يكن غريبا أن يبدع البحريني القديم، وينظم أسواقا خاصة لبيع منتجاته التي شكلها بيديه، والتي سميت باليوم الذي تجرى فيه كالخميس والاثنين بالقرب من قلعة البحرين، وذلك لبيع تلك المنحوتات الخزفية التي لا تزال تحمل رونقها وسرها إلى الآن، ما دفع الجهات المعنية بحفظ التراث والفنون في البلاد إلى العمل من أجل الحفاظ على ما تبقى من آثار هذه الصناعة التقليدية، حيث يقوم مركز الجسرة بذلك على أكمل وجه، أملاً في منع اندثارها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا