• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ويسألونكَ عن التميُّزِ...!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

حين تحلِّقُ في سماءِ منطقَتِنا العربيَّة، وتحطُّ رحالك في بعضِ محطَّاتِها، تدركُ حينَها روعةَ وتفرُّدَ الرِّحلةِ الواعدةِ التي قطَعَتْها دولةُ الإماراتِ العربيَّةِ المتَّحدةِ نحوَ الرِّيادةِ بإلهام قادتِها واستثنائيةِ شعبِها وسعيِهِم الدَّؤوبِ لتحقيقِ رؤيةِ وطنِ الرَّقمِ الأوَّل، كما ترصدُ عن كثبٍ مشاهدَ التميّزِ ومراتبَ التنافسيَّةِ لدى الدولة مقارنةً بنظيراتِها من الدُّولِ في العديدِ من المجالات وجودة الخدمات الحكومية التي يتلمّسها المواطنُ والمقيم والزَّائرُ على حدٍّ سواء، لتبقى صناعةَ التميُّزِ والإبداعِ والابتكار وإسعاد العاملين والمتعاملين علاماتٍ فارقةً ومضيئةً في جداريَّةِ الإماراتِ نحوَ الرِّيادةِ المستدامة.

وفي الوقتِ نفسِهِ، وعلى الجانب الآخر يتجلّى لناظريكَ حجمُ الفجوةِ المعرفيَّةِ والتنظيميَّةِ والإدراكيَّةِ والثقافيَّةِ والمهنيَّةِ في بعضِ المجتمعاتِ العربيَّةِ حينَ يكونُ الحديثُ عن التميُّزِ تخطيطاً وتنفيذاً وغرساً مستداماً وأسلوب حياة.

ففي الرُّبعِ الأخيرِ من هذا العامِ، وأثناءَ جولةٍ لي في عدَّةِ عواصم في منطقتِنا الزَّاخرةِ بأحداثٍ جِسامٍ والمُثقَلة بالهمومِ والآلامِ، تدركُ مدى حاجتها الماسَّة للتَّطويرِ والسَّعي نحوَ التغييرِ على الصَّعيدِ المؤسَّسي لرفعِ الشَّأنِ العربيِّ بينَ الأمم، فقد تنقلْتُ لتقديم برامج تدريبيَّةٍ قياديَّةٍ مرتبطةٍ بالتميُّزِ المؤسَّسي، وقد استوقفتني عدَّةِ مشاهد ومفارقاتٍ.

أوَّلُها: في بعضِ المجتمعاتِ يسألونكَ عن التميُّز، وماذا سيحقَّقُ لنا ولمؤسَّساتنا؟ وكأنَّ الخصومةَ ثأريَّةٌ وجهريَّةٌ بينَ أدبِ التطويرِ والتحسينِ وبينَ مربَّعِ السَّعةِ والدَّعةِ والتَّقليدِ واللاجديد، فتشعرُ بأنَّكَ كائنٌ غريبٌ عن هذا العالم، وبأنَّكَ تبحثُ عن المستحيلِ، وبأنَّكَ تَنسُجُ الأحلامَ والأوهامَ في مجتمعاتِ الاستهلاك لمنتجاتٍ وخدماتٍ دون الرَّغبةِ الصادقة في العطاءِ والبناء، فتصبحُ في حيرةٍ عمَّ يتساءلون رغم وجود العديد من أصحاب الهمم والطموح.

ثانيها: العديدَ من شركاءِ التدريبِ والتطويرِ والتأهيلِ وتقديمِ برامج وأطروحات واستشارات التميُّزِ في خصومةٍ أخرى مع الذَّات بينَ ما يقولون وما يفعلون، إذ نجدُ الفجوةَ حاضرةً والهوَّةَ قائمةً، والتناحر بين الرُّفقاءِ على أشُدِّه والتنافس في اللاتنافس مؤثِّراً، ولهذا لا يحقِّقُ التميُّزُ الأثرَ المنشودَ لأنَّهُ يبقى في اللاشعورِ دونَ أثرٍ واضحٍ بينَ الحضورِ، وتبقي الإشكاليَّةُ: هلِ التميُّز غاية نبيلة في نتائجها أم وسيلة هزيلة في أدواتها؟.

ثالثها: حديث الجوائزِ يصنعُ حواجز تحولُ دونَ التَّركيزِ على بناءِ القدراتِ، واستغلالِ الطَّاقاتِ، وإحداثِ النَّقلةِ النَّوعيَّةِ العمليَّة في مختلف المؤسَّسات، فنجدُ من يتناقشون في أدقِّ التفاصيلِ المرتبطةِ بمسؤولِ التَّصويرِ والإعلامِ والخبرِ الصَّحفي، بينما محتوى الفعاليَّةِ ومضمونها وأثرها غائب عن أجندةِ الشُّركاء، فالقشورَ وحُبَّ الظُّهورِ تحتلُّ الصَّدارةَ عوضاً عن الجذورِ، فيأتي التميُّزُ مرتبكاً خَجِلاً منقوصاً بلا تأثيرٍ لافتقادِهِ للمضمونِ وللهدفِ المأمولِ في التَّطويرِ والتَّحسين، ناهيك عن تحويل نهج التميُّز جملةً وتفصيلاً أحياناً إلى حوارات جدليّةٍ تُفقِدُه أسمى قيمه وأرقى معانيه.

ورغمَ كلِّ ذلك، يبقى الأملُ كبيراً نحوَ التغييرِ للأفضلِ في مؤسَّساتنا العربية. ولهذا حين يسألونكَ عن التميُّزِ المؤسَّسي، قلْ لهُم: هوَ رحلةٌ لها بدايات تتطلَّبُ أصحابَ الهامات ممَّن يَعُونَ الالتزامات، ويترجمون الطموحات إلى إنجازات، ويسعون بجدٍّ وإخلاصٍ ونقاءٍ نحوَ الإعمارِ والتمكينِ والازدهارِ رغمَ يقينهم بالرَّحيلِ يوماً ما، ذلك أنَّ الغاية غرسٌ مستدامٌ تجني ثماره الأنامُ على مدى الأيامِ والأعوامِ قبل أن ترحلَ الأبدان ولا تبقى سوى الأعمال.

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا