• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

اعتذر عن انجذابه إلى الفاشية ولم يتخل عن فلسفته التشاؤمية

إميل سيوران.. الانتصار على الحياة بالموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

إعداد: أحمد عثمان

شعر إميل سيوران (1911 - 1995)، المولود في كاربات في رومانيا، مبكراً بالحاجة إلى وضع أفكاره على الورق. جعل المفكر من اليأس مركز تأملاته الفلسفية. بالنسبة له، يتبدى الانتحار كوسيلة لتحمل الخاصية العبثية للوجود، كم توضح هذه الاستعادة لطروحاته الفكرية في الذكرى العشرين لرحيله.

على عكس سارتر الذي رأه كمتعهد/‏ مقاول أفكار، كتب سيوران من دون إعداد أي نسق فكري وبطموح تحرير دواوين للأقوال تتجاوز فيها الغريزة والمشاعر كل ما هو ذهني.

قرر الكاتب، الذي تابع تكويناً فلسفياً، الإقامة في فرنسا، بدءاً من العام 1937 بعد مرحلة شبابية موسومة بشيء من الانجذاب إلى الفاشية ودعمه الحرس الحديدي الروماني. بعد ذلك، قام بالنقد الذاتي لأفكاره في نص كتبه في عام 1950، وكذا في كتبه التي تركز على مناهضة هذه الهفوة. سواء كان ما جرى عبثية الحياة، تفاهتها، الطبيعة أو الظرف الإنساني، لم يدخر وسعاً بواقعيته في إدراك السخرية فيقول: «يكره (الناس) بعضهم بعضاً بيد أنهم ليسوا على مستوى كراهيتهم. هذه الوضاعة، هذا العجز ينقذ الإنسانية، بضمان فترة الاستقرار».

نتاج سيوران موسوم من خلال الشكوكية الصريحة: «الشعور بأن أكون كل شيء والوضوح أن لا أكون أي شيء»، كما كتب. لقلمه الصارم، وتحليلاته الملتزمة وواقعيته «المتغطرسة» شيء من الموت كما الأفق المتعذر تجاوزه. في الواقع، تسيطر فكرة الموت على نتاجه، وهذا منذ أول أعماله: «لا نفهم الموت إلا حينما نشعر بالحياة كما الاحتضار الممتد، حيث يمتزج الموت بالحياة». الفلسفة تتكلم عنه بلا خدعة، بلا أي ركيزة تهدف إلى تزيين أو دعم هذه القدرية: «ميزة الأشخاص العاديين النظر إلى الموت على أنه ينبجس من الخارج، وليس كقدرية ملازمة».

لا يقبل سيوران بلا تحفظ الحياة والشرط الذي تفرضه حينما تأمل ذات يوم إمكانية الانتحار. احتمال وضع نهاية لأيامه أصبح الوسيلة الوحيدة للرضى بالحياة: «من دون هذه الفكرة لم أستطع تحمل الحياة». «لقد فقدنا بمولدنا أكثر مما نفقده بموتنا»، كتب في العام 1973 في «عن سيئات المولد». الموت، النبع اللانهائي للقلق، ولكن حرية منحه تتأسس على الانفراج وتجعل ظروفنا محتملة. الانتحار «نقض» مشجع بما أنه يمنح قوة حقيقية للفرد، ذلك الذي يضبط ما هو قابل للضبط، الذي يعرف يوم وظروف موته. ولذا كتب سيوران: «يقبل الإنسان بالموت وإنما ليس ساعة موته. لا يهم موعد الموت، فقط حينما يصبح الموت ضرورياً». وهكذا، فإن إدراج الموت في حقل الممكنات، أي السخرية من الموت الذي لن يأتي إلا في ظروف مناداته. ومع ذلك، اعتاد أن يستقبلنا ضد إرادتنا: فقط يعتبر عجزنا عن ذاته. فكرة الانتحار تقلب علاقة القوة بما أنها من الآن فصاعداً موضوعاً غير سلبي، غير مرن إزاء الموت. تسيطر على مصيره وتصبح ممثل حياته حتى النهاية.

لدى سيوران، الانتحار مدرك كتعبير أخير عن الحرية الإنسانية. لقد تكلم حتى عن هذا الخيار كمزية تخص جنسنا البشري. بالمقابل، كتب «أمضي وقتي في نصح الانتحار بالكتابة وصرفه بالكلام. في الحالة الأولى يرتبط بالفلسفة، وفي الثانية بالكائن، الصوت، الشكوى». وعبر شيء من التجريد الفلسفي تبدى الانتحار. لا يتعلق بحل متماسك وإنما بفكرة قادرة على تهدئة العقل: «التعزية بالانتحار توسع البيت (...) الذي يخنقنا». فضلاً عن ذلك، فكرة الانتحار غير وثيقة الصلة إلا بالقدرة وأبدا بالفعل، «ليس هذا وقت الانتحار، بما أننا ننتحر دوما متأخرين». أخيراً، الانتحار ليس إلا تعزية عديمة القيمة لمن لم يولدوا أبدا. إذا أستطاع الإنسان أن يقرر موته، لا يستطيع أن يقرر مولده. هذا القلق البدائي متعذر تجاوزه.

يرى البعض في فكر سيوران تشاؤماً مطلقاً، لا يقهر، إدانة بلا أي تحفظ للظرف الإنساني. بينما يرى آخرون أنه فلسفة «الأسوأ» وعلاج لمسامحة الوجود. أيا كان الأمر، سيوران موسوم بنزعة شوبنهاور التشاؤمية، الذي اعتقد أن «الحياة وضع التعاسة الردايكالية» التي تؤرجح بلا توقف «معاناة السأم». الناس، مثل كل مخلوقات الوجود (يرفض شوبنهاور المركزية البشرية)، تحركهم إرادة الحياة. هذه الإرادة لا عقلانية، تحملنا من رغبة إلى أخرى ومن إخفاق إلى آخر. وبذلك، الإرادة الفردية وهم. لدى شوبنهاور، الفن والشفقة وسيلتان (جمالية وأخلاقية) يستطيع الإنسان بفضلهما أن يتجاوز ظرفه. يتعلق الأمر بلحظات زائلة، وسمها التخلي عن الرغبة، التي تسميها مدرسة فرانكفورت «الغبطة». أي يتعلق الأمر بتجاوز وهم «المفرد» لملاقاة معرفة نقية وعالمية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا