• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الذئب بين أَدَبَيْنْ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

حنا عبود

في كتاب «بلاغة الغرب» باقة من الأدب الفرنسي من القرن التاسع عشر- باستثناء كورنيل وراسين- نقلها إلى العربية الأديب محمد كامل حجاج. وعندما يختار الناقل نصوصاً غربية فلا بد أن يتوخى فيها الجدة والطرافة، بحيث يرى القارئ العربي التطورات الجديدة التي طرأت على الأدب الغربي، الذي ورث التراث اليوناني/‏ الروماني، ولم يقف عنده، فبعد أن دمره في العصور الوسطى، عاد إليه في عصر النهضة وفي العصور الحديثة.

أشار الناقل إلى أهمية النصوص المنتقاة بقوله في المقدمة: «وبعد، فهذه نُخَب أقتطفها من معجز بلاغة الغرب، لنرى معشرَ العرب ما أحرزه الغربيون من قصبات السَّبق في مضمار التحرير والإنشاء، وما لهم من سلامة الذوق وحسن التعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة» [التأكيد منا].

غيرة عربية

لا نشك في نبل عاطفة الناقل، فمقدمته تبدي غيرة عربية حتى لا يتخلف قومه العرب عن الغرب في الشعر والنثر، ولكنه يقرّ سلفاً أنهم متخلفون في «سلامة الذوق وحسن التعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة». وهذا كلام صحيح في حال قارنا بين شاعر غربي مفلق وشاعر عربي مخفق، مع مراعاة معطيات البيئة والتراث. لكن الناقل يتخذ موقفاً مسبقاً وهو يحكم بالمجمل على المجمل: الغربي والعربي، وينتهي إلى أن في بلاغة الغرب شيئاً معجزاً يقتطف لنا منه، ليكون مثالاً لما أحرزه الغرب من تقدم على الأدب العربي. وهذا حكم صادم لمن يعتقد من باب آخر أن في الأدب العربي شيئاً معجزاً لا نعثر على أمثاله في غيره. والحكمان صادقان إذا أخِذ كل أدب على حدة، أما الناقل فإنه ينطلق على ما يبدو من قناعة أكثر مما ينطلق من مقارنة بين الأدبين. وهذه القناعة تنمو بهدوء وتتسلل إلى النفس مثل أفعى التبن، من دون ضجيج، إلى أن يصبح صاحب القناعة مؤمناً أن أدب قومه متخلف جداً عن الأدب الغربي الذي بهره. وهذا داء أصيب به الكثيرون من العرب المشتغلين بالأدب والنقد الأدبي، حيث يبدأ النفور من الأدب العربي بالدهشة التي يحدثها فيه الأدب الغربي، وكلما أوغل في الاطلاع على الأدب الغربي تغيّرت رؤيته للأدب العربي، واعتبره متخلفاً ليس له «سلامة ذوق وحسن تعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة». وينتهي الأمر به إلى التسليم بالمركزية الأوروبية في الأدب، كما سلّم غيره بالمركزية الأوروبية في الاقتصاد والسياسة والفكر والفن والفلسفة... وفي كل شيء تقريباً، ولا يبقى أمام الشرق سوى الكدّ للحاق بالنماذج الغربية، وهي نماذج تتغيّر باستمرار، فالمعركة التي دارت بين سلامة موسى ومصطفى صادق الرافعي حول القبعة والطربوش تبدو في هذه الأيام سخيفة، ولا نظن أحداً يمكن أن يشارك فيها أو يقتنع بما ساقه هذا الطرف أو الآخر من براهين. ويصرح الناقل الكريم بوضوح عما ينفره من الأدب العربي في وصفه الأدب الغربي فيقول: «يقع شعرهم ونثرهم على الآذان كنغمات الموسيقى بما يشجي السامع من: رقة الوصف، وسلاسة التركيب، وأوانس الألفاظ، وغرر البيان، وبعد الكلام عما تعقد من المعاني، وخلوه من الخياليات المتشعبة والتنقل فيها بما يذهب بالسامع كل مذهب، فيركب متن الشطط، ويصعب عليه الفهم، فلذلك يعقله الفكر لأول وهلة دون إمعان وإجهاد قريحة» [التأكيد منا]. فكأنه يقارن بين أدب الغرب في القرن التاسع عشر وأدب العرب في الجاهلية، وإلا فإن كلامه لا ينطبق على الشعر العربي اليوم، فلا أحمد شوقي ولا خليل مطران ولا إبراهيم طوقان ولا عمر أبو ريشة ولا نزار قباني... الخ، تنطبق عليهم هذه الأحكام.

أحكام عامة

أطلق أحكاماً عامة، على زمنين مختلفين: الأول القرن التاسع عشر الأوروبي، والثاني العصر الوسيط العربي. وفي هذه الحالة يكون اللجوء إلى النقاد العرب، من قدامى وجدد، غير مستحب. ولكن اللجوء إلى المستشرقين، شهادة وثيقة وحجة دامغة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف