• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

المطلوب استخبارياً ودولياً هو استنزاف المنطقة العربية وإنهاكها وإحياء النعرات الإثنية والقبلية والطائفية بها وجعل العرب أمة على الورق فقط

حائط مبكى من داكار إلى دكا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 23 ديسمبر 2015

إذا استعصى عليك فهم ما يجري من حولك على الساحة الدولية ففتش عن الاستخبارات.. فتش عن اللعبة الاستخبارية إذا رأيت تضارباً في المواقف وتناقضاً في الرؤى.. وكلما غامت الرؤية وصارت ضبابية كما هي الآن تأكدنا أن الأمور والأقوال والأفعال الظاهرة أكاذيب، وأن الحقيقة لا تُقال أبداً، وأن العرب أصبحوا أو ارتضوا بأن يكونوا فئران تجارب في معامل السياسة وأجهزة الاستخبارات الدولية. وأن كل المتحركين على مسرح العرائس الدولي لا يتحركون من تلقاء أنفسهم، ولكنهم دمى يخيل إلينا من سحر أجهزة الاستخبارات أنها تسعى، وأكبر الساسة والمنظمات في العالم ليسوا سوى منفذين لإرادات استخبارية عالمية.

الأمم المتحدة نفسها تُدار استخبارياً ولا تدار سياسياً، وأمينها العام لا يتحدث إلا بضوء أخضر من القوى وأجهزة الاستخبارات الكبرى. وبالأمس القريب قال «بان كي مون» أمين عام الأمم المتحدة إنه لا يمكن ربط حل الأزمة السورية بمصير بشار الأسد. وهذا تغير دراماتيكي في موقف المنظمة الدولية يناقض تماماً موقفها السابق، الذي كان يرهن حل الأزمة برحيل بشار الأسد. وهذا كله يؤكد لنا أن مواقف وقرارات الأمم المتحدة تابعة وليست أصيلة، وأن المنظمة الدولية لديها إرادة تابعة لا إرادة مستقلة. فقد انتظر «بان كي مون» حتى تبلور ما يشبه الإجماع لدى القوى الكبرى على التخلي عن شرط رحيل بشار كضرورة لحل الأزمة السورية. فالمنظمة الدولية مجرد مرآة تعكس مواقف ورؤى القوى الكبرى وبالتحديد أجهزة استخباراتها. وهذه المنظمة بالنسبة لدول العالم المسمى الثالث هي مجرد حائط مبكى ليس إلا. حائط مبكى لفئران التجارب حيث يهرعون إليها، ويظلون في حالة بكاء عند الحائط ثم ينصرفون فرحين بقرارات أرخص كثيراً من المداد الذي كتبت به والورق الذي كتبت عليه. قرارات منزوعة الدسم ليست هناك إرادة لتنفيذها خصوصاً فيما يتعلق بالمنطقة العربية التي شبعت قرارات أممية ولدت ميتة وصار لكل مواطن عربي عشرة قرارات. وعندما نكتشف أن القرارات الأممية لا قيمة لها نعود إلى حائط المبكى الدولي لنتسول قراراً جديداً أو مبعوثاً جديداً، ونظل في هذه الدائرة المفرغة إلى ما لا نهاية وهذا هو المطلوب بالضبط.

الأزمات في الأمة العربية بالتحديد، ولدت لتعيش ووجدت لتبقى وخلقت لتكبر وتنمو والبحث عن حل هو بحث رجل أعمى عن قطة سوداء لا وجود لها في غرفة مظلمة، ومن بدأ وصنع المأساة لا يريد أن ينهيها ومن أشعل الحرائق لا يريد أن يطفئها. والمطلوب استخبارياً ودولياً هو استنزاف المنطقة العربية وإنهاكها، وإحياء النعرات الإثنية والقبلية والطائفية بها، وجعل العرب أمة على الورق فقط.

وإذا تأملت تحركات وشخصيات مبعوثي الأمم المتحدة إلى المنطقة العربية يدهشك التطابق التام بين تحركات وأداء وشخصيات جمال بن عمر وإسماعيل ولد الشيخ أحمد وبرناردينيو ليون وكوبلر وستيفان دي ميستورا وتشعر أو تتيقن من أنهم نسخ من كتاب واحد.. والعنوان الرئيس لأداء هؤلاء هو إدارة الأزمات العربية وإطعامها وتسمينها وتنميتها وليس أبداً حلها أو إنهاءها.. وشخصيات هؤلاء هي نفسها شخصية الأمم المتحدة وشخصية مجلس الأمن والجمعية العامة أي الشخصية الرمادية المائعة التي لا تعرف الحسم.. أو هي نفسها شخصيات أجهزة الاستخبارات الكبرى القائمة على الغموض وخلط الأوراق. حتى أن تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في القضايا العربية أصبح هو المشكلة الأكبر ولا يمكن أن يكون حلاً.. ونحن العرب نفرح بالقرارات وتوقيع الاتفاقيات والجلوس على طاولات المفاوضات والمشاورات، ولسنا أبداً معنيين بآليات تنفيذ القرارات ونتائج المفاوضات وكيفية تطبيق الاتفاقيات على الأرض.

وأستطيع أن أؤكد بقليل جداً من الخطأ أن اتفاق السلام الليبي لن يجد طريقه إلى التنفيذ وأن مفاوضات أو مشاورات سويسرا حول الأزمة اليمنية مضيعة للوقت، وأن الأزمة السورية دخلت النفق المظلم ولن تخرج منه.. وأن الحرب على الإرهاب لن تؤتي أكلها.. وتلك نظرة واقعية وليست متشائمة لأن أزماتنا وجدت وولدت لتبقى، ولأن العرب ارتضوا واعتادوا النحيب المتواصل عند حائط المبكى المسمى الأمم المتحدة بلا طائل ولا جدوى.. ولأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مصممان على المساواة بين الطرف الشرعي المعترف به دولياً، والطرف غير الشرعي في أزمات اليمن وليبيا بل وحتى سوريا.

ولست أدري كيف تسمح المنظمة الدولية لطرف رفضته وأصدرت ضده قرارات تحت الفصل السابع بأن يجلس على الطاولة بالتساوي مع طرف شرعي. وفي سوريا لا أفهم كيف يكون النظام الذي تعارضه المعارضة واحداً، وتكون هذه المعارضة فصائل متعددة بل متناحرة؟ النظام واحد والمعارضة متعددة. هذا أمر مقبول في الممارسة السياسية والحزبية لكنه ليس مقبولاً في الحروب والصراعات العسكرية إلا إذا كان هناك عوار ما لا نراه في أداء هذه المعارضة. وإلا إذا كان لكل فصيل أجندة لا علاقة لها بالوطن. وعموماً نحن لا نرى العوار، ولا نرى ما خفي، وهو دائماً أعظم ولا نعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا والحياة السياسية.. وفي كل الأحوال نحن فيما يتعلق بالأداء الاستخباري الدولي في منطقتنا نعتمد فقط على حاسة الشم.. نشم رائحة الاستخبارات والأجندات الخفية، لكننا لا نرى ولا نسمع ولا نلمس ولا نتذوق. وحاسة الشم لا تقدم دليلاً على ما يحاك لهذه المنطقة، لأن من أخص خصوصيات وصفات العمل الاستخباري هو ارتكاب الجريمة الكاملة. وهذه الأخيرة واقعة بالفعل في منطقتنا لكننا لا نملك دليلاً سوى حاسة الشم حيث الرائحة الكريهة تزكم أنوفنا، لكننا لا نعرف مصدرها، ولا نعرف الفاعل الأصلي. وتتكرر اللعبة في كل لحظة وتنتهي الأمور دوماً في مجلس الأمن والأمم المتحدة لتصدر القرارات تلو القرارات، ويتعاقب المبعوثون بلا طائل. لتبقى الأمم المتحدة مجرد حائط مبكى ممتد من داكار إلى دكا!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا