• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

فرجة شعبية حافلة بفن الحكي والتشخيص والموروث

المسرحية السعودية «شدَّت القافلة».. الحـب في زمـن الجفاف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 20 ديسمبر 2015

محمود عبد الله (أبوظبي)

اختار المخرج السّعودي مساعد حسن الزّهراني لعرضه «شدَّت القافلة» الذي كتب نصّه فهد ردّة الحارثي، بقعة رملية نصف دائرية في صحراء الكهيف، تحيط بها الخيام والنّيران، ومجموعة من النّوق، لكي يقيم لنا فرجة شعبية، حافلة بفن الحكي والتشخيص، والشعر، وعلى تماس مع مقتضيات «مسرح الحلقة» حيث تحلّق جمهور كبير لمشاهدة حكاية العاشقين حمود وصالحة، حيث نكتشف من خلال سردية الراوي أننا في مضرب قبيلة أصابها الجفاف، والجوع والعطش، وفي اللحظة التي يتقدّم فيها حمود (عزّام النّمري) للزواج من صالحة التي أحب، أما المفارقة التي يقوم عليها الحدث الرئيس فتتمثل في ربط شيخ القبيلة الأب هذا الزواج بهطول المطر.

من فكرة «الانتظار» وهي إحدى حمولات النّص، يرحل حمود العاشق المتيم لفترة لعلاج مرض أصاب عينيه من كثرة البكاء والحزن والخوف من فقدان الحبيبة، لنكتشف حبكة المسرحية مع عودته للبحث عنها، وقد شدّت قبيلتها الرحال إلى مكان مجهول، ولا يجد بدّاً من الوقوف على أطلالها، كواحد من فرسان شعراء المعلّقات، شاكياً حاله، ملقياً على أسماعنا قصيدته: شدّت القافلة/‏ وشدّ خلّي معاها/‏ وأصبحوا في الفريش (قرية بين مكة والمدينة كانت تمرّ بها القوافل للتزود بالماء والطعام) يا ليت عيني تراها.

تعيدنا هذه الحكاية الشعبية البسيطة التي قدّمتها «فرقة الإبداع المسرحي السعودية» في اليوم الثاني لمهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، إلى أجواء شعراء المعلّقات وانشغالات قصائدهم بالارتحال عن الدّيار والوقوف على أطلال الحبيبة، ويصوغ الزّهراني، عرضه في ثلاثة مستويات، من مكان الجمهور، وحلقة الممثلين، وحمولات السرد ومضمونه التراثي والقصيدة، وتجسيده عبر مشاهد تشخيصية التمست من الموروث الشعبي وسيلة للمزج بين الماضي والحاضر، كما نجد أنّ هناك تلاحماً جمالياً احتفالياً استطاع أن يتماهى بصدق مع التراث الغنائي والأهازيج السعودية في منطقة «الخبت» لمتعة بصرية تجسد تنامي الحدث من روائع الفن الخبيتي ولون المجرور في مدينة الطائف، ومن بداية العرض حتى نهايته كانت الأغنيات بألحانها الشعبية المعتمدة على الطبول تُرَدَّدُ في شجن عالٍ للتعبير عن حالات الشخصيات في بصرية عالية المستوى، كما لعب العرض في مناطق الفكر المسرحي العالمي بتشبيع الأحداث بحمولات ورسائل من موضوعات: الانتظار، الاغتراب الداخلي، الطبقية، متمثلة في رفض مبطن من والد صالحة لحمود نتيجة فقره ومركزه الاجتماعي، على غرار مأساة عنترة العبسي وعشقه المرير لابنة عمه عبلة، ثم ذلك المزج البديع بين السرد والشعر والغناء والحركة والرقصة الفلكلورية المصممة من نسيج العرض، لتلتئم جميعها في تعبير خلاّق عن الصفات الإنسانية مثل: الفرح والحزن والخوف والحب والانهزام، كما لامست الذات الإنسانية وما فيها من ضعف وآهات وشجن، جسدتها باقتدار نخبة من نجوم المسرح السعودي، ونخص منهم: نايف البقمي بدور الشاعر، وحاتم الطويرقي وممدوح القشمري وتجسيدهم بمهارة عالية المشاهد التعبيرية.

صحيح أن هناك بعض الهنات في هذا العرض مثل غياب الصوتيات والإضاءة المسرحية ورتابة الإيقاع في بعض مشاهد الثنائيات الحوارية، إلا أن ذلك لا يقلل من جماليات العرض في طقسه التراثي واحترافيته في صياغة حالة العشق والهوى حينما تخرج عن المسار والإرادة والأمنيات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا