• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

تضمن شهادات مثقفين

«هذه ليست حقيبة».. تعريف بأوجاع الغربة العربية في بلجيكا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 07 يناير 2017

حسّونة المصباحي (فرنسا)

يحتوي كتاب «هذه ليست حقيبة» على شهادات ونصوص وقصص عن الغربة العربية في بلجيكا. وقد أشرف على إعداد هذا الكتاب الشاعر والمثقف المغربي طه عدنان الذي يقيم في بروكسل منذ سنوات طويلة، وفيها يقوم بنشاطات ثقافية متعددة ومختلفة. يساعده في ذلك إتقانه اللغة الفرنسية، ومعرفته بأدبائها وشعرائها والمحركين لحياتها الثقافية والفنية. وهو يهدي الكتاب إلى روح زميله أوليفيي ديليسيبس الذي كان أحد ضحايا العملية الإرهابية التي ضربت العاصمة البلجيكية 22 مارس الماضي. ومعرفاً بالكتاب، كتب طه عدنان يقول بأن «هذه ليست حقيبة»، حكايات «تكشف عن قلقنا وعن ضعفنا، وعن رقتنا، عن حلمنا وعن خيبتنا، عن ورطتنا وعن خلاصنا». وهي «تعبير حيّ عن هويتنا الكامنة في تعددها، وعن جوهرنا الإنساني بكل تناقضاته». وهي أيضاً «محاولة لكتابة الوجع عارياً، دونما استخفاف ولا تهويل، وبعيداً عن كلّ استيهام».

ومعرفاً بمواصفات الغربة العربية الجديدة التي تفاقمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بسبب الحروب، والسياسات الاستبدادية للأنظمة العربية، كتب طه عدنان يقول إن بطل الرواية العربية المعاصرة المكتوبة في الغرب الأوروبي، لم يعد «يتماهى» مع مصطفى سعيد، بطل رواية الطيب صالح الشهيرة. فمصطفى سعيد جاء إلى الغرب (بريطانيا) في زمن كان العربي يجسد «صورة الفحل» العاشق لنساء الغرب الشقراوات. لذلك يلجأ إلى سحر الشرق الذي شكله الرومانسيون الغربيون لإغوائهن. أما اليوم فقد تشكلت صورة العربي انطلاقاً من أوضاع سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت سائدة في الفترة التي كان فيها مصطفى سعيد يصول ويجول في العاصمة البريطانية. وبحسب طه عدنان، العربي اليوم هو إما عامل نظافة بائس يشتغل كثور، وينجب دزينة من الأطفال ليستفيد بشكل أمثل من الإعانات العائلية، وإمّا بقّال يفتح متجره من أول الصباح إلى آخر الليل، أو عاطل يلعب الورق في المقاهي طوال النهار، أو بائع مخدرات يتردد على السجون، أو مهاجر من دون أوراق، أو متحرش جنسيّ، أو إرهابي.

وقد شارك في تأليف الكتاب مثقفون من مختلف الجنسيات العربية، مغاربة ومصريون وعراقيون وفلسطينيون وسودانيون وسوريون. وكل واحد من هؤلاء حاول بطريقته الخاصة أن يرسم لنفسه وللآخرين، سواء عرباً أم بلجيكيين، صورة تعكس تجربته، ومحنته، وكوابيسه، وخيباته. وثمة مرارة تطغى على جميع النصوص الشهادات والقصص المنشورة في هذا الكتاب. فالوطن الأصلي يبدو مهشماً، غارقاً في الأزمات والمظالم اليومية والنزاعات الدينية والإيديولوجية كما هو الحال في كل من العراق وسوريا. والعيش في بلجيكا، حتى ولو كان آمناً ومريحاً، يبدو صعباً وقاسياً. فالعربي مشوه الصورة، خصوصاً بعد أن تفاقم الإرهاب ليحصد أرواح العشرات من الأبرياء في مطار، أو في مطعم، أو في قطار الأنفاق. وثمة أئمة في مساجد في بروكسل، وفي مدن بلجيكية أخرى لا يترددون في التحريض على العنف والإرهاب رغم حصولهم على الجنسية البلجيكية. ويكتب طه عدنان متوجعاً وغاضباً في نفس الوقت «لكن، هل كوننا «ضحيّة» صورة سلبية يعني أننا مؤهلون لإعطاء دروس في التسامح للجميع؟ وهل نحن متسامحون أصلاً؟ هل نفهم التعايش خارج ما يضمنه لنا من حقوق في العيش متقوقعين على أنفسنا في استخفاف تام للآخر؟ ثم ماذا حققنا خارج التنديد بدور الضحية الذي استعذبنا تجسيده في تراجيدية مملة؟ ماذا أنجزنا لكي نفهم هذا العالم؟».

إجمالاً يمكن القول إن كتاب «هذه ليست حقيبة» محاولة ناجحة للتعريف بأوجاع الغربة العربية في بلجيكا بجميع ملامحها، النفسية والثقافية والسياسية والاجتماعية. وثمة نصوص تعكس موهبة عالية في فن السرد، والتحليل. وثمة شهادات عبرت بصدق ونزاهة عن الحياة في بلجيكا في مختلف جوانبها. وما يجمع بين كل هذه النصوص هو الروح الإنسانية التي تخللتها، والتي تعطي انطباعاً عن صورة المثقف العربي الذي يحرص من خلال كلمات لغته الأم التي احتفظ بها في الغربة على أن يواجه الأزمات والآلام بجرأة وشجاعة، متجنباً الكراهية والحقد، وكل ما يمكن أن يسيء إلى علاقته بالبلاد التي احتضنته ووفرت له ولو القليل من متطلبات العيش الآمن والكريم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا