• الخميس 06 جمادى الآخرة 1439هـ - 22 فبراير 2018م

ألمانيا تستطيع دفع أجور أكبر لعمالها، لكنها لا تستطيع تحمل هذا إلى أجل غير مسمى دون الاستثمار لتحقيق نمو في المستقبل

الاقتصاد الألماني.. ومعضلة الأجور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

فيرناندو جيوجليانو*

لم تحظ جولة مفاوضات حول الأجور بمراقبة عن كثب مثلما حدث مع النزاع في الآونة الأخيرة مع اتحاد عمال «أي. جي. ميتال» (صناعة المعادن) في ألمانيا. وتم التوصل إلى اتفاق في بادن-فيرتمبيرج مع اتحاد أصحاب الأعمال «سودفيستميتال» تضمن زيادة بنسبة 4.3% في الأجور تُطبق بدءاً من أبريل والحق في العمل 28 ساعة في الأسبوع. ويمثل الاتفاق دليلاً آخر على أن الضغوط من أجل الأجور تعود أخيراً إلى منطقة «اليورو». وهذا مهم إذا أراد البنك المركزي الأوروبي تحقيق هدفه في خفض التضخم إلى أقل من 2%. والاتفاق يمثل تحولاً عن نماذج ألمانيا في الآونة الأخيرة لتحديد الأجور. فقد انخفضت البطالة بشدة مع تزايد قوة اتحادات العمال على التفاوض عن قوة أصحاب العمل. واستغل ممثلو العمال وضعهم كي يسعوا إلى الحصول على أجور أعلى وأيضاً ظروف عمل أفضل. وانتهى فيما يبدو عصر تواضع الأجور الذي تميز به العقد الماضي منذ إصلاحات سوق العمل عام 2002.

وظلت قضية زيادة الأجور في ألمانيا قوية، لكنها تطورت نوعاً ما منذ بداية هذا العقد. وعلى مدار العقد الأول من القرن الحالي، نمت كلفة العمل بالنسبة لكل وحدة من المنتجات في ألمانيا ببطء أكبر من التضخم الذي يستهدفه البنك المركزي الأوروبي. وهذا سمح لألمانيا، إلى جانب اليورو، بأن تصبح أكثر تنافسية من شركائها رغم أن الإنتاجية لم ترتفع إلا قليلاً. ومنذ عام 2011، بدأت كلفة العمل بالنسبة للمنتج في ألمانيا ترتفع تماشياً مع أهداف البنك المركزي. لكن هذه الزيادة لم تكف لملء الفجوة التنافسية التي بدأت تتسع في عدد من الدول الأعضاء الأخرى. ومن الأسهل بكثير للبنك المركزي الأوروبي أن يحقق هدفه إذا ارتفعت كلفة العمل بالنسبة لكل وحدة من المنتج بنسبة أكبر من 2% في العام. وهذا يساعد في تقليص الفائض الألماني في الحساب الجاري الذي يقيس تدفق البضائع والخدمات والاستثمارات. ورغم أن هذا بدأ يتقلص إلا أنه مازال يبلغ 8% من الإنتاج المحلي الإجمالي.

وصفقة «أي. جي. ميتال» معقدة لأنها تنطوي على خليط من الدفع لمرة واحدة وزيادة صريحة للأجور. لكن معظم الاقتصاديين يعتقدون أنها ستزيد الأجر السنوي في القطاع الصناعي بأكثر من 3.5% في العام هذه السنة والتي تليها. ولأن هذا الاتفاق يقوم بدور المعيار للمفاوضات الأخرى فإن النمو الإجمالي للأجور في ألمانيا يتوقع أن يتسارع بشكل أكبر. وتوقع بوندسبنك (المركزي الألماني) أن ترتفع الأجور بنسبة 2.7% في عام 2018 و3.1% في عام 2019، لكن فريدريك دوكوتسيت وهو اقتصادي في شركة «بيكتيت ويليث مانجمنت» يعتقد أن هذه التوقعات قد تخضع لتعديلات بنحو نصف نقطة مئوية بعد اتفاق «أي جي. ميتال».

وكان من الممكن أن تكون زيادة الأجور أعلى لو تمسك زعماء النقابة بمطالبهم السابقة بالحصول على زيادة بنسبة 6%. لكنهم فضلوا التوصل إلى صفقة تعطي العمال الحق في العمل 28 ساعة فقط في الأسبوع لما يصل إلى عامين. والعمال لن يجري تعويضهم عن الساعات التي قلصوها، ولذا فهذا أقرب إلى نظام مرن لوقت العمل وليس زيادة إضافية في الأجر. وتواجه الشركات خسارة في الإنتاجية نتيجة الحاجة إلى توظيف المزيد من العمال وتدريبهم لكن هذا يمكن التغلب عليه بصفة عامة فيما يبدو.

والمشكلة الأكبر هي تأثير زيادات الأجور تلك على تنافسية الاقتصاد الألماني إذا استمرت هذه الزيادة. ولن تظهر المشكلة إلا إذا ظل نمو الإنتاجية الألمانية بطيئا. لكن الائتلاف الحكومي الكبير الذي تم تشكيله حديثاً يتعين عليه أن يلعب دوراً لدعم الإنفاق على البنية التحتية- كما يعتزم ذلك- لتعزيز كفاءة الاقتصاد. وتستطيع ألمانيا تحمل دفع أجور أكبر لعمالها، لكنها لا تستطيع تحمل هذا إلى أجل غير مسمى دون الاستثمار لتحقيق نمو في المستقبل.

*صحفي متخصص في الشؤون الاقتصادية الأوروبية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا