• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

أزمات عامة وقضايا شخصية في فيلم يعكس تفاصيل من مجتمع البوسنة

«حياتنا اليومية».. لم تنس الحروب!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 ديسمبر 2015

نوف الموسى (دبي)

التفصيلة الإنسانية، التي قدمها فيلم «حياتنا اليومية» للمخرجة إيناس تانوفيتش، عن الآثار الاجتماعية للحرب التي خاضتها جمهورية البوسنة والهرسك، ساهمت في كشف الفضاءات المكبوتة، لنزعة الحرب، حتى بعد انتهائها، عن طريق تفكيك مسارات التوازن في شخصيات الأفراد، في مجتمع البوسنة، لتتحول الحياة الاعتيادية، بصورتها الخارجية، كنمط بعيد عن المؤشر الداخلي، الذي يبرز في مواقف مختلفة، كأزمة أو قضية أو إشكالية، تتصدر هموم الأفراد، ليشرعوا في البحث عن طرق معالجة، لا تمس المنحى الأساسي، من إحساسهم بالألم المتراكم أو الخوف المتصدي، الناتج عن ذاكرة، ممتلئة بالوهم تجاه عدم قدرتهم على إعادة إنتاج حياتهم، والتغلب على التكوين التاريخي، للعديد من الأجيال، التي شهدت الحرب، واستمرت في نقله كمفهوم متوارث. وفيلم «حياتنا اليومية»، يتحدث بانسيابية وجمالية، هادئة، عن تلك الإسقاطات الاجتماعية، وطرق ولادة الأزمة فيها، التي تتكشف عبر عائلة بوسنية، والخطوط الدرامية للشخصيات، دون أن يثير الفيلم، طرحاً مباشراً للحرب، بل جعل منه أفقاً يجول بين الأحداث، ويطورها من خلال البناء السينمائي لكل مشهد، حيث اشتغلت المخرجة إيناس، على تفاعل الشخصيات بين بعضها وبعض من جهة، وبين الحدث، باعتباره يحمل سمة الشخصية في الفيلم، ولم تجعل المعاناة المجتمعية، حصراً على مكنون الفرد لوحده، بل وعياً عاماً يحرك الوسط الاجتماعي، ويقوده إلى أبعد منطقة من التساؤل، حول كيفية مواجهة المجتمع لنفسه، بعد سنوات من الحرب!

بين السطور

يعتقد كثيرون، بأن الأشياء تنتهي بعد الحرب.. من هنا أوضحت المخرجة إيناس وجهة نظرها، حول إرادتها ورغبتها الفعلية، في قراءة ما بين السطور، فقد عاشت حالة الحرب، وشهدت تلك التحولات المصيرية، في العمق الفكري، لمجتمعها، وتود إلقاء الضوء عليها، لما لها من قوة تأثير، لا يدركه الناس، كمحفز للحراك غير الواعي، والمشروع السينمائي، يستطيع الوصول إلى تلك المنطقة المخفية، ووضعها على الطاولة، خاصةً أن الصورة في الفيلم عالجت مقومات أسرة من الطبقة المتوسطة، وما تواجهه، من مواقف حياتيه، يعيشها أكثر البوسنيون، حيث يجد المشاهد المدير التنفيذي الذي يثور عليه العمال (الأب)، والمرأة العاملة التي تصاب بمرض خطير (الأم)، والشاب الذي ينفصل عن زوجته ويفقد عمله (الابن)، والشابة التي هاجرت إلى مدينة أخرى، وأصبحت حاملاً، دون أن تتزوج، (الابنة)، جميع الشخصيات تحدثت عن حالاتها الخاصة، ولعبت دوراً رئيسياً في تكوين بيئة الفيلم، وإيصاله إلى مشاهدين من مجتمعات، تعيش بعيداً عن المخاض اليومي لمتغير الفرد البوسني.

مرض الأم شكَّل الذروة الساحرة في نقلات فيلم «حياتنا اليومية»، كون الخبر مفاجئاً، ولم يتوقعه أفراد الأسرة، وبالأخص الأب والابن، اللذين يعيشان خلافاً دائماً، وعدم اتفاق، وصورت المخرجة مشهد مصارحة الابن حول مرض أمه لأبيه، برمزية لافتة، حيث تم اختيار الحمام موقعاً، لإثراء الموقف، كان يجلس الابن الهائم بغسل الفلفل الأحمر، الممتلئ على آخره في (البانيو)، ليدخل الأب، ويصرخ كعادته على الابن، كالشخص الذي يلقي بغضبه الداخلي على الابن، وما إن يحتد الحوار بينهما ويبدأ الأب بلكم الابن على وجهه، حتى يخبره بمرض الأم، ليقف الأب عن كل شيء من الصدمة، وينظر في تجاه الابن، راغباً في التأكد من صحة ما يقوله الابن، واختيار المخرجة مرض السرطان، الذي شفيت منه الأم في نهاية الفيلم، أسهم في تعميق مستوى الألم الأسري، الناشئ منذ سنوات طويلة، ونتج عنه تسريب يومي في جسد الأم، دونما إدراك مباشر، من أفراد الأسرة، وجاء عنصر الفلفل الأحمر، لغة رمزية، لقدرة هذا النبات على الشفاء من السرطان، أو ربما إسقاطاً للون الأحمر، والاحتراق الداخلي، لذات الأسرة، وتطلعاتها، وآمالها.

أثر الحرب

يضفي الابن روح الحب، والشفافية الرومانسية، على روح الفيلم، من خلال قرار انفصاله عن زوجته، وعيشه لمرحلة من (البطالة) بعد تركه لعمله لتأتي الحياة وتهديه من جديد، فرصة التعرف بفتاة، قرر أن يختار العيش معها مجدداً، بعد أن طلب منها البقاء بجانبه، خلال زيارته لها في بيتها، الذي وصفه بالخاوي. وفي عمق اشتغال الفتاة، على معرض، يكشف مآسي الحرب، يتجلى حوار يجمعهما في غرفة المعيشة، في شقة الفتاة، عن أمكنة الحرب فيهما، ما يجعل المشاهد، يقترب من أثر الحرب، ويفهم تصوراتها، بشكل إنساني أكثر، ولفتت مخرجة الفيلم، أنه فيما يخص العلاقة الرومانسية، التي جمعت الابن الشاب، بالفتاة، أرادت أن يبقى الحب، في محور تعاطٍ مستمر، ويظل متحركاً بشكل متوازٍ مع أطروحة الفيلم، دونما طرح تفصيلاته في المعالجة السينمائية، حتى لا يبتعد المشاهد عن الفعل الأسمى في الفيلم، وهو الحرب وإيقاعها الاجتماعي، على الإنسان.

تعيش الابنة، التي ذهبت إلى سلوفينيا، بسبب الحرب، علاقة حب، تجعل منها امرأة حبلى، دون زواج، حيث تتواصل مع أسرتها في البوسنة، عبر برنامج التواصل (اسكايب)، لتسأل هي عن أحوالهم، ويطمئن عليها أهلها من جهة أخرى، والمشاهد للفيلم، يلحظ الاستخدام اليومي لبرنامج التواصل، الذي يعكس أحد أوجه التواصل الحديث في المجتمع البوسني، وبالتوازي مع المتغيرات التي تصيب المجتمع البوسني، فإن الابنة، تقدم تصوراً ثقافياً للمغتربين من البوسنيين، سواء في أنماط القرارات المصيرية، أو على مستوى العادات اليومية، في طرق العيش نفسها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا