• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

خَيمَةٌ تَنبتُ في كفّي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 ديسمبر 2015

أمل إسماعيل

بَسَطَ العَرّافُ كَفّ البطلة في المسلسل الكرتوني متفحصا تعرجات حياتها، ثم قال ساكباً الدهشة على ملامح وجهه: لا أتمَكّنُ من تحديدِ مكان ولادَتِكْ، ابتسَمَتْ البَطلة وَرَقّ دمعُها: لأنني وُلِدتُ على مَتن قطارٍ يهذي بين مَدينتين! ابتسمتُ بِدَوري شاعِرَةً بالغبطة والفخر: أنا أيضا أيها العرّاف، وُلدتُ في سيارة! ضَمَمْتُ كفّي في أسَى، وقال لي الطبيب: أنتِ مُصابةٌ بإكزيما عَصَبِيّة، تحدثُ نتيجَةَ انفعالٍ عَصبي أو نفسي، كلما اجتهدتِ في الكتمان اجتهدَ جَسَدُكِ – رغماً عَنكِ – في الثرثَرة، انفرجت شفتاه عن أسنان صفراء محشوة برائحة التبغ، وأردفَ معجباً بالفكرة: «جَسَدُكِ يثَرثِر!».

أذكرُ أنّه قال لي إنّ يدي جميلة، وإن أصابعي أشهى من دوالي العنب في قريتي «السوافير» (1)، وبينما كانت المسافة تجلدُهُم بسياطِ الهجرة في صَفٍّ طَويل يبدأ من فرن الطابون المُجَمّر ولا ينتهي إلى مَكان.. نَسَوا أمي، إلى أنْ وَلوَلَتْ جَدّتي بعدَ أنْ أيقظتها ذاكرة الحليب الذي لم يمضِ على انهمارِهِ من صدرها «الأربعين»: «يا ويلي! غالية.. نائمة في السرير!».

سُرعتهُ الجنونية في التهام المسافة كانت مبررةً جدا، لا حواجز، لا رجال شرطة في تلك المدينة النائمة على حلم أزرق لتقنص هلعه – كما اليوم – بمخالفات ورادارات تهبط من السماء مباشرةً لتحفظَ رقم لوحة السيارة، ذلك الكائن الأخضر الذي كان (تحت التليين) تحوّل إلى آلةِ حصادٍ تقتلعُ الطريقَ الإسمنتي المتعبْ، لكنني كنتُ الأسبقَ، وصَوتي الأعلى. خَرجتُ معلنةً قدومي إلى الحياة في سيارة يابانية خضراء، ومنذ ذلك اليوم، لم أكن في حاجة إلى (مثبِّتِ سرعة).

تحتَ القصف، وبين تقاطعات من اللحم البشري المُدَمّى وأنصافِ اللاجئين كانتْ نائمةً في سريرها، تستحضرُ أحلامها عن آخر وجبةِ حليبٍ رضعتها في سلام. الجزعُ الذي اقتلع قلوبهم من الصدور دَفَعَهُم إلى حَملها هي وسريرها الخشبي الثقيل معا، فريدة الخرساء نسيتْ (صُرة) ذهبها، وجابر حَمل مفاتيح الدور ونسي مفتاح داره، جَدتي لأبي تركت عجين الخبز ليتخمّر ريثما يعودون. وأسماء أخرى اقتُلعَتْ من هناك ولم يعد أحدٌ يهتمُّ لذِكرها.. هُم حملوا الرضيعة وأحلام أجيال أخرى ستغفو حالمةً بأن هذا السرير قطعةٌ من الجنة.. قطعةٌ من السوافير! «أتعلمين.. لقد غمرَ دفءُ سريري الذي حملوني فيه أكثر من ثلاثة أجيال من المواليد من بعدي، وما زالوا يحتفظون به إلى اليوم!».

ظَنّت أنّي ولدتُ ميتة، عندما قَلَبَتني بكَفّها بَكيتُ.. «حَمراء.. قطعةُ لحمٍ حَمراء»، قالت لأبي الذي جُنّ جنونه وهو يرى ذلك الشيءَ الأحمرَ يتنفس ويبكي: وَلَدّتِ!! ثم هَرَسَ دواسة السرعة تحتَ قدمه فانسحقتْ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف