• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

مثقف يهودي انتصر للحق الفلسطيني

من يتذكر مكسيم رودنسون؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 ديسمبر 2015

هاشم صالح

يحتفل الفرنسيون هذه الأيام بمرور مئة عام على ولادة ناقدهم الشهير رولان بارت (1915-1980)، ومعهم الحق. ولكن لا أحد يحتفل بمكسيم رودنسون الذي ولد في العام نفسه (1915-2004) وعاش عمرا مديدا أكثر من بارت بكثير. وهذا ظلم في الواقع. فالرجل ساهم كثيرا في تقدم حركة الفكر في فرنسا طيلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم.

تميز رودنسون بصفة نادرة ألا وهي: انفصاله عن طائفته اليهودية بخصوص المشروع الصهيوني. فقد كان معاديا له وقد كلفه ذلك غاليا من حيث النبذ والاحتقار. وربما كان المثقف اليهودي الوحيد الذي فعل ذلك في فرنسا اذا ما استثنينا أسماء قليلة جدا تعد على أصابع اليد الواحدة. لكنه كان يقول أيضا: لا يوجد حل عن طريق العنف وتدمير الآخر. فعلى الرغم من أن إسرائيل قامت بالقهر على أرض الغير لكن ليس من المستحب ولا الأخلاقي تدميرها بعد أن قامت.. فلا يمكن أن نرد على كارثة بشرية بكارثة بشرية أخرى.. ينبغي أن نجد حلا وسطا وتعايشا معينا يوما ما بين كلا الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. ولكن السؤال البسيط الذي نطرحه على فلاسفة الغرب كلهم هو التالي: هل يمكن أن يتحقق التعايش والسلام قبل أن ينال المظلوم حقه؟

وللاطلاع على أفكاره حول هذا الموضوع الحساس والملتهب ان لم نقل المشتعل نحيل الى كتابيه الأساسيين: «اسرائيل والرفض العربي»، ثم: «شعب يهودي أم مشكلة يهودية»؟ نستخلص منهما ما يلي: اذا كان مكسيم رودنسون يرفض الأساطير الصهيونية الساعية بكل وسيلة لتبرير اسرائيل الا أنه يرفض أيضا ادامة الصراع الى ما لا نهاية بعد أن تحولت الدولة العبرية الى أمر واقع وأصبح فيها شعب وسكان وبشر. فهذا استنزاف للطاقات وتدمير لمستقبل شعوب المنطقة التي لم تعرف إلا الحروب منذ أكثر من نصف قرن. لا ريب في أن هذه الدولة التي قامت بالحديد والنار كانت حصيلة قرار تاريخي ظالم ولكن لا مرجوع عنه في رأيه. وهو قرار صادر عن الأمم المتحدة والقوى العظمى عام 1948. ولكن رفض الصهاينة ومؤيديهم للاعتراف بالانعكاسات المأساوية الناتجة عن قيام هذه الدولة على أرض العرب الفلسطينيين خطأ فادح لا يغتفر. فعدم احساسهم بآلام الفلسطينيين المبرحة والهائلة شيء مخجل وغير مفهوم على الاطلاق. ولا نعرف كيف يمكن أن يصدر عن قوم عانوا من آثار المحرقة النازية. بالمقابل فإن النظرة العربية لليهود عموما سلبية جدا وظالمة أيضا. وأخيرا يروي البروفيسور دومنيك شوفالييه الذي تخرجت على يده كوكبة من الطلبة العرب في السوربون الحكاية التالية: في أحد الأيام قال لي أحد الديبلوماسيين العرب بعد أن اطلع على كتاب رودنسون الأول: هذا أفضل كتاب قرأته عن القضية الفلسطينية!

الماركسية ليست ديناً منزَّلاً!

فيما عدا ذلك يعتبر مكسيم رودنسون أحد كبار الاختصاصيين في الدراسات العربية والإسلامية واللغات السامية. وهو أحد كبار المستشرقين بالإضافة إلى لويس ماسينيون، وهنري كوربان، وجاك بيرك، و كلود كاهين، وروجيه أرنالديز، ومونتمغري واط، وسواهم... وقد ولد في باريس عام 1915 ومات عام 2004 عن عمر يقارب التسعين. وقد أصدر قبيل موته عدة كتب نذكر من بينها «الاسلام: السياسة والعقيدة»، ثم كتاب «من فيثاغورث الى لينين. مقالات عن الحركات الأيديولوجية»، ثم كتاب مقابلات بالتعاون مع الباحث اللبناني جيرار خوري بعنوان: «مكسيم رودنسون – بين الإسلام والغرب». وفي هذه الكتابات وسواها يعلن أنه لم يعد ماركسياً بعد أن اعتنق الماركسية طيلة حياته كلها! صحيح أنه انسحب من الحزب الشيوعي أو بالأحرى طرد منه عام 1958 بسبب مقالاته النقدية وحبه للحرية وكرهه للتأطير الأيديولوجي والببغاوية الفكرية. ولكنه مع ذلك ظل ماركسياً مستقلاً على حد قوله، وذلك حتى عام 1993. بعدئذ أعلن أنه لم يعد ماركسياً على الاطلاق على الرغم من اعترافه بأهمية ماركس كمفكر وعالم اجتماع. ولكنه لم يعد المفكر الوحيد في نظره ولم يعد كافياً. والدليل على ذلك أن ماكس فيبر الذي جاء بعده مباشرة فتح آفاقا جديدة في علم الاجتماع، وهي آفاق لم تخطر على بال ماركس قط. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن اميل دوركهايم، القطب الكبير الثالث المؤسس لعلم الاجتماع الحديث. وهذا دليل على أن الماركسية ليست كل شيء كما زعم أتباعها الذين اعتنقوها كدين معصوم او كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش في حين أنها نظرية سوسيولوجية من جملة نظريات أخرى. ولكن هذا لا يعني ان رودنسون قطع كل علاقة له بالماركسية. فقد استمر في التفكير والكتابة حول المشاكل التي شغلته وأقنعته لفترة طويلة، أقصد المشاكل الفكرية التي تخص الماركسية. وقد دعي إلى مؤتمر علمي كبير عن الماركسية كانت اليونسكو قد نظمته وأشرفت عليه. ولكنه غضب كثيراً لأنهم لم يدعوا صديقه هنري لوفيفر، الفيلسوف الماركسي المعروف، والذي يقول إنه كان أكثر كفاءة منه بكثير. وقد حضر المؤتمر الفيلسوف المشهور هربرت ماركيوز من جملة آخرين عديدين. ويرى رودنسون انه بعد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية أصبح الكثير من الناس يتامى. أقصد الناس الشيوعيين الذين آمنوا بفكر ماركس وتعلقوا بالطوباوية الماركسية. فماذا سيفعلون بأنفسهم بعد الآن؟ وكيف سيقيمون الحداد على قناعات شغلت عمرهم الطويل كله؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف