• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

يطرح أسئلة العلاقة الإنسانية وفجاعة مواجهة الذات

«الرجل الذي أصبح حصاناً».. خوفاً من فقدان ابنته!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 16 ديسمبر 2015

نوف الموسى (دبي)

كل شيء في فيلم «الرجل الذي أصبح حصاناً»، للمخرج أمير حسين ثقفي، مسكون بزخم من المدلولات الحسية، ذات الإدراك العميق، لموجة التحولات في النفس البشرية. تتبدى تجليات القصة، في رغبة أب بالاحتفاظ بابنته، من خلال بقائها معه، رغم زواجها، وذلك من خلال سرد بصري قليل التماهي والتأثير على المشهدية المجتمعية، إلا أنها في الفيلم، تبرز كأيقونة وجودية، تكشف الصراع الداخلي، وتفضح التراكمات، وحس الفقدان، وصوت الخوف المدوي، في رأس الأب، من يحمل بين طياته، عمراً من شقاء العيش، جعل منه المخرج إسقاطاً للحياة، إبان الترحال في معترك أن يكون الإنسان جزءاً أو كُلاً، من مساحة التناقض الشامل، بين أوجه البقاء والرحيل، الكسب والفقدان، الألم والسعادة، النور والظلام، المطر والجفاف. واختيار المخرج لشريحة مجتمعية مرتبطة بالأرض والسماء، في تجوالها اليومي، ساهم في تبسيط تعريف متغيرات الشخصية، وعمق بؤرة التركيز تجاه الاعتيادي، بوصفه إحدى ضروريات التوازن المعرفي في الوعي الإنساني بشكل عام. الأب مشغول بالتحول إلى حصان، في كل المرادفات الخاصة بالفيلم، يجر عربة خشبية، وصعوبة تنفسه لكبر سنه، ينتج عنها صوت داخلي يشبه صوت الحصان، كذلك حركة القدمين، وانسجام ملامح وجهه، التي بدأ يظهر عليها إعياء، كالذي يعانيه الحصان، الموجود في منزلهم، من يمثل ذكرى جاثمة على قلب الأب، من قبل الأم المتوفاة، والتي لا تزال روحها تحوم بين جنبات المنزل، يستشعرها المشاهد، عبر حركة النافذة، وصرير الريح، وربما السبب الأسمى، في هذا التشابه، والالتزام بمهمة التحول إلى حصان، تأتي من تعلق ابنته بالحصان، كونه الذكرى المتبقية من والدتها، ولكن هذا الانشغال الساحر، رغم نسبة الألم المتجلية فيه، فإنه يحمل صبغة ساحرة.

«الرجل الذي أصبح حصاناً»، ثقيل في اكتشافاته البصرية، نخبوي جداً على المخيلة الإنسانية، خاصةً أثناء بحث الفيلم في أسئلة متعددة، دون الحصول على إجابة، بل لم تكن هناك إجابة على الإطلاق. تجد الأب وزملاء عمله يجلسون بمقاربة البحر ويأكلون طعامهم، ويجلس معهم من يقرأ عليهم تراتيل المناجاة، المنغمرة في قلب الأب، أنه الدعاء والتوسل، بأن تبقى الابنة، ويستمر الشخص القارئ، بالدعاء، كأنه صوت الأب، ورضوخه، واحتياجاته، وغصته، ليكرر الدعاء أكثر من مرة، متضمناً، حواراً بين الأب وابنته، وبعضاً من استشفافات الأب، عن رغباتها، ليسألها هل صليت، هل صليت ولو مرة من أجلك، حيث قدم التكرار الذي أبدته الشخصية، خلفية شعورية وذهنية، تجعل المشاهد، يتقصى أغوار الأب، واحتمالات فضائه الداخلي، حيث إن قارئ التراتيل، يظهر في أكثر من مشهد، مقدماً المونولوج الداخلي للشخصية الرئيسية.

الابنة يكتسيها الهدوء، تقابل زوجها عند محطة انتظار القطار، وبينهما الوعد المنتظر، بأن يكونا معاً، يجمعها حوار دافئ، ووعد برسالة، سيرسلها الزوج. لتبدأ ملاحظات الابنة بتذكير الأب، بأنها سترحل، هناك على منضدة العشاء، لا يبدي الأب جواباً مقنعاً، ويكتفي برمي زجاجة الماء، غضباً. وفي مشهد آخر، بالقرب من السرير، يخبرها الأب بأن عليها المكوث معه، وأن لا أحد يكترث لأمرها أكثر منه، وأنه ليس عليها عمل شيء له، ليكتفي هو بجلوسه قربها، إلا أن الأخيرة تظهر إصراراً على الرحيل، ليفكر الأب بإطلاق سراح الحصان بعيداً، ذاك الذي يقطن في البهو الخلفي من البيت، مذكراً إياهم بالأم المتوفاة، وعندما ترحل الابنة، يقرر الأب حرق البيت، وكأنه يدفن جثة ميته، فالبيت في تصميمه المعماري البسيط، اعتمد على الخشب المتراص، المجتمع فوق بعضه، وأثناء ذلك يأتي الحصان، ليتقابل مع الأب، الذي جلس على ركبتيه، ونظر في اتجاهه مباشرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا