• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

انعكاس موضوعي لجماليات السينما المصرية المستقلة

«نوّارة».. لم تر بعْد الربيع!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 14 ديسمبر 2015

نوف الموسى (دبي)

لماذا تذهب «نوارة» إلى السجن في نهاية الفيلم؟!، لماذا من مثلت الشخصية الإنسانية البسيطة، بكل ما تملكه من إحساس بالحياة والخير والجمال، والعفوية الصادقة تجاه ما تربت عليه، وما اكتسبته من بيئتها المصرية، في أحد الأحياء الفقيرة، يحتم عليها الظُلم؟ ماذا أرادت المخرجة هالة خليل، أن تقول عن إفرازات العمق والوعي المجتمعي العام، ومتغيرات المشهد خلال ربيع 2011، جاعلةً من قصة نوارة بأحلامها البسيطة، المُحكم الرئيسي، في هامش الصراعات السياسية، وضبابية الفساد القائمة على تهريب المال العام؟

لم تكتف هالة بتعرية ردود فعل رجال الأعمال المفسدين، خلال تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وإنما كشفت إسقاطات الضوء بين أزقة الحي النوبي في مصر، وصنعت المشاكسة الأزلية بين (العازة) بوصفها خللاً نظامياً، وإلى (الخوف) باعتباره إشكالية أمنية تتربص كيانات الخداع، والفساد، في المنظومة السلطوية. ويستشف المشاهد، الممارسة الزمنية، بين الأحداث التي تعيشها نوارة، تبدأ بماضي انتهاء الثورة، والمحاسبة القضائية، وحاضر الإنسان البسيط، من يرغب في العيش الكريم، ومستقبل الربيع، الذي لم تر نواره بُعده عليها، طوال رحلتها في الفيلم، وعاشت باقتناع مسوغ التغيير للأفضل، إلا أن المخرجة هالة، أبرزت تأزم الموقف، وأن الحلول الثورية، قدمت رجعية، واستمرارية، للوعي المغلوط عن مشهدية التنامي الإنساني الحضاري.

فيلم «نوارة»، بالتوازي مع مختلف الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، من إنتاج مخرجين مهمين من مثل المخرج المصري محمد خان، والمشاركين في مهرجان دبي السينمائي الدولي، شكلوا جميعهم مؤشراً نوعياً وموضوعياً، لجماليات السينما المصرية المستقلة، والتي تثبت قوتها، أمام الكم التجاري، في صالات السينما، واستمرار التناول السينمائي للمشهدية السياسية، في مصر، تجلى بصور متعددة، واتخذ موقعاً إنتاجياً مهماً، كون الأطروحة المجتمعية بأثرها السياسي، أصبحت ذات اهتمام واسع بين المنصات السينمائية العالمية، خاصةً أنها تكشف النمو الوجودي لذات الإنسان، وترجمته لذلك التطور أو التأثر في الحياة الإنسانية ككل. وما حمله سيناريو الفيلم المكتوب أيضاً من قبل مخرجة الفيلم هالة خليل، لا يقيس الانتقالات الإنسانية في البيئة السياسية، بشكل منفصل عن المعتقدات الاجتماعية، فالعلاقة الزوجية التي ربطت نوارة برجل من النوبة في مصر، وتبرز فجوة الداخل في حوار يجمع أم الزوج ونوارة، عندما تقول لـ نوارة إنها لم توافق على الزواج في البداية، لأن نوارة ليست من النوبة المصرية، ما يبرز تصنيف الاختلاف، إحدى إشكاليات التعايش الحضاري المتأزم في البلدان العربية، ودول العالم.

في البداية يعيش المشاهد المسير اليومي لنوارة، وعملها في إحدى الفيلات الفارهة، التي يقطنها رجل أعمال وأسرته، من يقررون الهروب إلى خارج مصر، بعد التصفية الجزائية، لعناصر الفساد، إبان تنحي الرئيس المصري السابق، وذروة الأحداث تتشكل، بعد أن توصي زوجة رجل الأعمال نوارة، من عملت في خدمتهم منذ أن كانت صغيرة، بالمبيت في البيت وتنظيفه، طوال رحلتهم إلى الخارج، بهدف أن يعتقد الناس أن الوضع طبيعي، ولا يشك أحد بهروبهم خارج البلد، والمثير في الصياغة المشهدية للفيلم، التحرك المضني الذي تبديه نواره، طوال عملها في المنزل الخاوي، الذي اعتبرته أمانة، ووعد يجب أن تلتزم به. ورغم المعارضة التي أبداها زوجها بعدم المكوث، وتلميحاته المستمرة بأهمية ترك الخدمة في المنازل، والاجتماع معاً، في بيت واحد، ليمارس الحب، محاولاً في مرات عديدة، إقناعها، إلا أن نوارة أصرت على أن يكون كل شيء بعد الزفة، وأن (كتب الكتاب) أو العقد الرسمي، يجب أن لا يدعوها للتسرع، على الرغم من زواجهما منذ 5 سنوات، وعدم القدرة على توفير المنزل، جعله أمراً مؤجلاً، إلى إشعار غير معروف. والجمالية في سرد هذا التفصيل بالتحديد في الفيلم، يقدم مدلولات الاحتياج الأهم، للإنسان، وآثار كبته، وانزوائه عن الحياة اليومية من جهة، ويتيح للمشاهد معايشة تصاعد الحدث تجاه تغير وجهة نظر نوارة، في اللحظة المأسورة بالخوف، بعد أن تمت مهاجمتها من قبل أهل صاحب البيت، الذين لا يعلمون عن مسألة هروبه من جهة أخرى، لتقرر نواره بعدها عيش حياتها وترك مسؤولية البيت.

يسمع أهل الحي، الذي تعيش فيه نواره، كل يوم وعود سياسية، بأن للشعب أموالاً منهوبة، وستعود وتوزع عليهم فرداً فرداً، وفي المقابل يواجهون غلاء احتياجاتهم الرئيسية، كالماء والكهرباء، بحجة أن الثورة أشعلت أزمة العمل، وأوقفت حال السوق. وبرزت تلك المواجهات اليومية، لأزمة الإنسان البسيط، الذي يرغب في العيش، لا أكثر ، بشكل جلي، عبر عدة مشاهد تضمنها الفيلم، من بينها نزول نوارة من الحافلة التي تستخدمها للذهاب لعملها، ومحاولة إقناع بعض المتظاهرين، بفتح الطريق، لأنها ترغب بالذهاب إلى العمل، وسط هتافات العدالة الاجتماعية التي ضاع صيتها بين المحتشدين. وهنا يتفتح أفق المشاهد، على أهمية احترام الفلسفة المعيشية، للإنسان المحترم، من يرغب في إتمام مسيرة عيشه بكرامة، ورغم أهمية (المظاهرة)، في العرف السياسي، للدول المتقدمة، إلا أن تقدير المشاركة الاجتماعية للشخص البسيط، الذي لا يملك تدخلاً مباشراً، في الحركة السياسية على الأرض، يحب أن توفر له كافة سبل البنى التحتية الفكرية، في أن يعبر الشارع، دونما أن يعرقل طريقه أحد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا