• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

دوت كوم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مايو 2007

نعمة التقصير

قصّرت في كتابة هذه الزاوية أثناء ساعات الدوام الرسمي، وداخل مكاتب الجريدة، فطمأنت الزميل مسؤول ملحق ''نيوتك'' بأنني سوف أقوم بواجبي في البيت، وسوف أرسل المادة بواسطة البريد الإلكتروني، فوافق على مضض.

أعتقد أن كثيرين يودون تنفيذ نصيحة زاهي وهبي القديمة التي تقول ''خليك بالبيت'' (قبل أن يتخلى عنها لصالح فكرة غير برّاقة عنوانها ''أحلى الناس''، فينجزون أعمالهم من فوق أسرتهم، أو من المطبخ، أو في أحسن الأحوال وهم يتابعون أحداث مسلسلهم التلفزيوني المفضل.

ومع ثورة الاتصالات الحديثة، وشيوع استخدام الإنترنت، وتعدد وسائل هذا الاستخدام وغاياته، سرى اعتقاد في الغرب، بأن هذا الفتح التكنولوجي يؤذن بإغلاق مقار الشركات والبنوك ويغني عن الحاجة إلى استئجار المكاتب وتأثيثها وتعيين سكرتيرات وفراشين وعاطلين عن العمل برتبة موظفين إداريين. ويبدو أن إدارات الشركات كانت تفكر بمسائل مثل: التخلص من العمالة الفائضة، وتجنب إهدار الوقت والطاقات وهي آفة الأعمال المكتبية أو داخل المكاتب، وتخليص الميزانيات من انتفاخ مرضي، والمساهمة في وضع حد لأزمات السير والازدحام في المدن خلال ساعات الذروة.

هذه الفكرة تبدو في عمومياتها عبقرية، على الرغم من اعتراض علماء الاجتماع والنفس على ما تؤول إليه من إقامة جدران العزلة بين الناس، الآخذة في كل الأحوال في التجذر والارتفاع لأسباب كثيرة، لكن ـ في اعتقادي ـ إن الفكرة لم تدخل إلى حيز التطبيق، ولم تنجح حيث جرت تجربتها لسبب آخر... هو، باختصار، إنها تحرم المديرين والمسؤولين من فرصة اختبار صلاحياتهم، وممارسة فائض السلطة التي في أيديهم في شؤون فائضة عن الحاجة الإدارية. طبعا سوف يثور بعض المديرين والمسؤولين على هذا الاتهام، دون مناقشته، وفي ذلك دليل على سلطاتهم الفائضة. ومع ذلك فإن المشكلة ليست هنا. المشكلة الحقيقية هي في البيت، فأنت ستكون مضطرا لإنجاز أعمالك على هدير المكنسة الكهربائية وهي تشفط الغبار العالق في السجاد والستائر، ثم سوف تحترق لمبة الإنارة في الحمام في الوقت غير المناسب وستكون مضطرا لتغييرها، وستكون مدعوا للانتباه للطبيخ فوق النار في الوقت الذي تكون الزوجة منشغلة بمكالمة هاتفية، وستفتح الباب للجارة التي ستأتي للثرثرة مع جارتها... وفي نهاية المطاف، ستجد أن مديرك في العمل هو أكثر رحمة معك، على الرغم من سلطاته الفائضة عن الحد.

طبعا، أكتب هذا المقال في البيت وأنا في غاية الإنشراح، شاكرا الثورة التكنولوجية التي وفرت لي وسيلة للتعويض عن التقصير.

عادل علي

adelk85@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال