• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

حديث المطر...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 13 ديسمبر 2015

عندَ المساء قد انهمرْ.. وخيرُهُ النَّاسَ غمرْ.. وفوقَ خدِّ الأرضِ مرَّ.. فاستبشر به الشَّجَرْ.. مطر مطر مطر.. في حديثٍ للذَّات مع الذّاتِ.. حدّثتني نفسي، وأخذتُ أردد تلك الكلمات التي تصفُ الأجواءَ من حولي، فتساءلْتُ: لماذا لا نكونُ مثلَ حبَّاتِ المطر في عطائِها ونقائِها؟؟ فالمطرُ مددُ الإلهِ ينزلُ من السَّماءِ إلى الأرضِ دونَ أن ينتظرَ حسابات أحد إلّا أوامر الأحد... المطرُ نقاءٌ وصفاءٌ لا يعرفُ الرِّياءَ... يَمنحُ بسخاءٍ... فهو لا يعاتبُ أرضاً، ولا يشترطُ طرحاً، ولا يمتعضُ حالاً... المطرُ لا يفرِّقُ بين الرُّفقاءِ والفرقاءِ، ولا بينَ الفقراءِ والأغنياءِ، ولا بينَ القلوبِ الوفيَّة والقلوبِ القاسيةِ، ولا بينَ القريبِ والبعيدِ... فكلُّنا سواءٌ تحتَ زخَّاتِ المطرِ... تتدفَّقُ قطراتُ المطرِ دونَ مَنٍّ أو أذىً أو انتظارٍ لشكرٍ أو ثناءٍ، فما أحوَجَنا نحنُ معشر البشرِ إلى فكرِ المطرِ… وعطاءِ المطرِ... ومعاني المطر، بدلاً من التأرجُحِ بين عتابٍ ومخاصمةٍ، أو صمتٍ ومكابرةٍ...!! حتى أضحَتْ حياتُنا صحراءَ قاحلةً متسارعةً متلاحقةً.. فالكلُّ يلهثُ في سباقٍ، ولا يتوقَّفُ للتزوُّدِ من معينِ المطرِ.

المطرُ يبرِّدُ زفراتِ الألمِ بحبَّاتِهِ النديَّةِ وزخَّاتِهِ الشجيَّةِ... ويُشعرُكَ بالحنينِ إلى زمنٍ جميلٍ قد مضى، المطرُ عنوانُ حضورٍ لأحاسيس نسيناها، وملاذٌ لقلوبٍ افتقدناها وطالَ انتظارُها.. فلماذا لا نكونُ برداً وسلاماً على أحبَّائِنا؟ ورفقاء نسيرُ في دربِ النَّقاءِ، فننقذُ مَن حولَنا، ونبدِّدُ آلامَهم وأوجاعَهُم...؟؟ ولماذا لا نسألُ عمَّن غابَ عنَّا ولو برسالةٍ أو ذكْرٍ لخيراتِهِ وأثرِ غرسِهِ في حياتِنا، لنبدِّدَ ظلمةَ الفراقِ والشِّقاقِ، ويكونُ اتصالُنا عنوانَ حضورِهِ رغمَ الغيابِ...؟؟

حينَ نتأمَّلُ حبَّاتِ المطرِ نكون في حضرةِ القلوبِ... فلماذا لا نستحضرُ القلوبَ الوفيَّةَ في تعاملاتِنا اليوميَّةِ، ونجعلها دافئةً وعامرةً بالذِّكرياتِ الجميلةِ لا الأليمةِ...؟ فالمطرُ ناقوسٌ يدقُّ في سراديبِ الزَّمنِ الضَّائِعِ ليقولَ لنا: تفاءَلوا… فالحياةُ جميلةٌ ماطرةٌ.... وحينَ تسقطُ حبَّاتُ المطرِ منَ الأعلى إلى الأسفلِ فهذا لا يعني انكسارَها، بل هيَ عنوانٌ لحياةٍ أكثرُ بهاءً وجمالاً... إذاً لماذا لا نجعلُ المطرَ حاضراً في ثنايا قلوبِنا...؟ فحبَّات المطرِ... وزخَّات المطرِ... وصوت المطرِ... منتجاتٌ رائعةٌ تحتاجُ إلى ممكِّناتٍ في صدى القلوبِ كي تتغلغلَ داخلَ العروقِ وترفعَ آهاتِ الرُّوح، وتبعدُ عنها سحائبَ الحزنِ والكآبةِ. فلماذا لا نكونُ كحبّةِ المطرِ... أو كزخَّةِ المطرِ... أو كندى المطرِ... علَّنا نضمِدُ بعضَ الجروحِ الحاضرةِ...؟ لماذا لا نكونُ كحبَّاتِ المطرِ، فهيَ لا تجفُّ ولا تبردُ وإنَّما تروي وتحيي بإذنِ اللهِ؟

إنَّ المطرَ إذا غابَ نسألُ ربَّ السَّماءِ: أين مددكَ يا خالقَ السَّماواتِ والأرض ومالكَ خزائِنِها.. يا من رفعتَ السَّماء بغيرِ عمدٍ...؟ إنَّنا ننتظرُ المطرَ ليكسِبنا بريقاً وجمالاً، ليرطِّبَ الأفئدةَ وليطهِّرَ النُّفوسَ من الشَّوائب العالقةِ... فاجعلْ من قطراتِ المطرِ أملاً يتسلَّلُ إلى نافذةِ حياتِك، وتفاءلْ، وعشْ محبَّاً لنفسِكَ.. وتصالحْ مع ذاتِكَ، كي تحبَّ حياتَكَ وتحياها بكلِّ معانيها، وغلِّف بالحبِّ كلَّ القلوبِ التي تراها، واجعلْ من قلبِكَ وطناً يحملُ حُبَّ الآخرين، واتركْ بصماتِكَ في الحياةِ أينما حلَلْتَ وارتحَلْتَ، تماماً كزخَّةِ المطرِ... أو ندى المطرِ... لعلَّكَ تضمِّد بعضَ الجروحِ الغائرةِ، والقلوبِ المنكسرةِ..

فكِّروا معي كيف نكونُ مثلَ المطرِ في العطاءِ والنَّقاءِ والصَّفاءِ والوفاءِ بلا شرطٍ أو انتظارٍ لثناء.

الدكتور عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا