• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

فيلم عن الحب والفقر في ضواحي مستغانم!

«مدام كوراج».. الهروب إلى النشوة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 13 ديسمبر 2015

نوف الموسى (دبي)

عند التعرف على مفاهيم جديدة، أو مصطلحات غريبة، يقودنا الفضول، ليس لاكتشافها فقط، بل لممارسة فعل مشاهدتها، عبر الصياغة المرئية، ذات الإيقاع المباشر على العين والروح، كما في رؤية عمر - بطل فيلم «مدام كوراج» - وهو يتناول حبوب الهلوسة، بما تتركه من أثر ذهني ومحاولة لفهم سبب تسميتها بـ«مدام كوراج»، ولماذا يبحث من هو بعمر المراهقة عن ضياع مستميت عبر شجاعة مصطنعة؟

لم يكتفِ الفيلم بتصوير ضواحي مستغانم الفقيرة، حيث يسكن عمر مع أمه وأخته، وينامون في غرفة واحدة، بل التقط قوة النشوة، في إمكانياتها البناءة، ليجعلها ضعفاً وهروباً واغتراباً في شخصية عمر، الذي كان يكفيه إشعارٌ بالحب، وأمان ذاتيّ، يتخطى به عتبة الفقر، بدلالته المزيفة في قدرته على تدمير الذات، عبر المقاربة والمقارنة السطحية للمكنون الداخلي بمدى امتلاكه من احتياجات خارجية، تضمن العيش، للعيش، دونما إحساس عميق، بمتعة اللحظة، فالأخير يظل سؤالاً مسخاً أو تجريحاً لمن يطلقون على أنفسهم اسم المعدومين، بحجة الفقر!

المخرج مرزاق علواش، استطاع بتجسيده الحياة اليومية لعمر (بين السرقة وجلب حبوب الهلوسة، والتعاطي المجحف لأهله معه، وصولاً إلى تعلقه بفتاة أحبها) أن يوجز الالتقاء الوجودي للإنسان بتداعيات بيئته، دون أن يحمّل طرفاً ما أبعاد أزمة عمر، جاعلاً انعكاسات المحصلة الاجتماعية تأخذ المشاهد إلى الاحتياجات والرغبات الأولى والفطرية والأهم للإنسان، وبيان الأثر الحقيقي لعدم إشباعها، وإيصالها إلى الاتزان الطبيعي.

في المشهد الذي يذهب فيه عمر إلى أسفل بيت الفتاة التي أحبها (سلمى)، ويبدأ ينادي ويصرخ بأعلى صوته، دون خوف من أخيها الأكبر (الذي يعمل في الشرطة) يتساءل المتابع: هل فعلاً تعطي حبوب «مدام كوراج» عند تناولها إحساساً بالشجاعة التي لا تقهر؟ هل هي التي أودت بـ(عمر) إلى مصارحة مجتمعية جريئة، كتلك، فعمر، لم يكتفِ فعلياً بالصراخ، ولكنه أشعل ألعاباً نارية، أطلق بعضها في السماء، وأخرى حملها بيديه، وهي مشتعلة، وأخذ يدور بها، راغباً في لفت انتباه سلمى، التي تقف عند نافذة المطبخ، وتشاهده بدهشة، مبدية إعجابها، ورغبتها في أن يستمر فعل التلاقي، على أن لا يتأذى عمر، من قبل أخيها.

وإذا آمن المتابع بأن إجابة السؤال أعلاه هي: نعم، تلك الحبوب تقدم سحراً مؤقتاً يدفع الروح والذات نحو وجوديتها، فنحن إذن أمام محاولة لقلب طاولة الوعظ بخطورة تلك الحبوب، والذهاب إلى مناقشة مساحتها وفضاءها الحر، بمعنى أن الحبوب وفي وقت قصير، تجعل عمر خلواً تاماً من المخاوف والأفكار والمعتقدات العقائدية، فهل هذا الخلو هو الذي قاد عمر إلى الحب؟! إلى أن يستمد جوقة روحه الموسيقية، وهل يمكننا بعدها أن نلومه على اجتياحه المطالب الاجتماعية التي أسقطناها عليه والذهاب نحو منافي الصفوة؟

يختار عمر في نهاية الفيلم الهروب من كل شيء والاختباء في العمارة التي تسكنها سلمى، هناك حيث الشيء الذي لا يمكن اجتراؤه عن الذات الإنسانية، وهو إحساس الأمان.

لا يمكن للمشاهد أن يكون ضد عمر، طوال رحلته في الفيلم، على الرغم من أنه يشاهده وهو يتناول الحبوب المخدرة، ويراقبه وهو يسرق في الشوارع العامة، وهنا يكمن سحر السينما، في الإضفاء الإنساني، وإبراز الأبعاد الثلاثة، لكل شخصية.

لقد نالت البيئات الفقيرة، في الأفلام السينمائية، حصصاً كبيرة من المناقشة، في المشهدية البصرية، وتكمن جمالية التفرد فيها، في القدرة على إسقاط الحالة الإنسانية، وتفكيكها. وفيلم «مدام كوراج»، الذي يعرض في مهرجان دبي السينمائي الدولي 12، يمتلك ميزة البحث بأكثر من بعد، فمثلاً اختيار فترة المراهقة للشخصية الرئيسية، تفتح ملفات المسؤولية المعرفية، وتتجاوز النظرة النمطية الساذجة تجاه البيئة الفقيرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا