• الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439هـ - 26 فبراير 2018م

رؤية.. ورؤيا

فيليمير خليبنيكوف شعرية ما وراء الإدراك

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

أنطوان جوكي

غداة وفاة الشاعر الروسي الكبير فيليمير خليبنيكوف (1885 ـ 1922)، كتب ماياكوفسكي: «إنه الفارس الأكثر روعةً وصدقاً في نضالنا الشعري»، ونعاه ماندلشتام في نصٍّ طويل وصفه فيه بـ «الخلد الذي حفر في أرضية الشعر أروقة للمستقبل». أما صديقه رومان جاكوبسون، فاكتفى بالقول: «إنه الأكبر».

لا تدهشنا هذه الشهادات حين نعرف الطريق الخاص الذي شقّه خليبنيكوف لنفسه، واستكشافه اللغة الروسية كعالِم وشاعر، مبتكراً داخلها لغة مذهلة في جنونها وحداثتها. لكن بخلاف ماياكوفسكي وماندلشتام، ما زال خليبنيكوف شاعراً شبه مجهول خارج وطنه بسبب صعوبة نقل شعره إلى لغةٍ أخرى. ولذلك نغتنم فرصة إصدار دار Verdier الباريسية الترجمة الفرنسية التي وضعها الباحثان جان كلود لان وإيفان مينيو لجميع النصوص التي كتبها هذا العملاق خلال مرحلة النضج (1919 ـ 1922)، للتعريف بمسيرته وشعريته الفريدة.

الغوص في هذه الأعمال، التي تتراوح بين قصائد وحوارات شعرية متخيَّلة وقصص ونثرٍ حرّ ورسائل، يجعلنا ننسى فوراً روسيا تشيكوف ودوستويفسكي وسائر الأدباء والشعراء الروس، لأن خليبنيكوف تمكّن من إخراج الأدب الروسي من جغرافيته المعتادة. ولا عجب في ذلك، وهو الذي عاش حياته شريداً، فاستقرّ بشكلٍ متقطِّع في موسكو وسان بطرسبرغ، لكنه فضّل على هاتين المدينتين سهوب موطن ولادته، ونقصد مدينة أسترخان ودلتا نهر الفولغا وبحر قزوين المحيطين بها. منطقة استخدمها أيضاً كمقفزٍ للانفتاح على الشرق، وتحديداً على أذربيدجان وبلاد فارس حيث «يطهو الأطفال ابتساماتٍ/‏ في مَجامِر رموشهم القاتمة/‏ ويرمونها للمارّة».

خليبنيكوف هو شاعر امتلك كلياً اللغة الروسية، بجمالياتها وعنفها والتطوّرات التي طرأت عليها. وفي هذا السياق، تحمل لغته الخاصة جميع تناقضات التاريخ الروسي وتمزّقاته، وخصوصاً الدماء التي سالت خلاله، وفي الوقت نفسه تتجاوز هذا التاريخ لمعانقة العالم ومدّ خيوطٍ بين مختلف أزمنته، جامعةً بـ «سنونوات النظرة» الجغرافيا والثيمات والأساطير والفنون. كونية، بوقوفها عند تقاطُع سهوب اللغات، لم يألُ صاحبها جهداً في تأجيجها وتكثيفها وإخضاعها لاختبارات جمّة.

وبهذه اللغة كتب شعره، الحيّ والهائم مثله، الذي يعكس رفضاً للانغلاق على الذات وصرامة وتطلّب نادرين في الكتابة. من هنا الصعوبة البالغة التي يواجهها أي مترجم لنصوصه الذي لن يتمكّن من نقل سوى حركة شعره وتيهه، مهملاً نظام نظْمِه الصارم ومحاولاً قدر المستطاع الوفاء للغته المبتكَرة التي تتميّز بالعري الأصلي للغة روسية تنبش أعماقها، وفي الوقت نفسه، تشكّل أداة بحثٍ وحفرٍ في المستقبل. لغة تبدو مألوفة في أصالتها الظاهرة، مثل اللغة المحكية، قبل أن يتجلى للقارئ النبيه طابعها القاطِع والفريد، وعدم التزامها إلا بنظام الحياة نفسها التي ترافقها وتغذّي حركتها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا