• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

القديس أوغسطينوس يكشف أسرار انهيارها من روما القديمة إلى واشنطن

قصة تلاشي الإمبراطوريات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

إميل أمين

أحد أهم الأسئلة التي تلقي بظلالها على عالمنا المعاصر، ذاك المتعلق بالحضارات والأمم، وكيف تمضي بها الحياة، وإلى أي مدى يمكن أن تتشابه مصائر وأقدار الدول العظمى في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مع تاريخ الإمبراطوريات والممالك القديمة؟

السؤال المتقدم يطرح بنوع خاص اليوم في مقارنة بين روما القديمة وبين واشنطن «مالئة الدنيا وشاغلة الناس»، وقد ذهب الآباء المؤسسون منذ بنجامين فرانكلين وجورج واشنطن وجيمس ماديسون وتوماس جيفرسون إلى أن تكون الولايات المتحدة الأميركية هي النسخة المعاصرة لروما القديمة، حتى إن الكونجرس الأميركي يطلق عليه «الكابيتول هيل» في إشارة لا تخطئها الأذن لمجلس الشيوخ في عاصمة الإمبراطورية الرومانية القديمة «روما» الذي حمل من قبل الاسم نفسه.

هنا يقارب المفكرون والمؤرخون بين روما قبل 1500 عام وأحوال الولايات المتحدة في أيامنا، وهل التاريخ يكرر نفسه، وهل ما انسحب على مدينة «روميوس ورومولوس» يمكن أن تشهده واشنطن في الأجل المنظور؟

أفضل جواب يمكننا أن نجده في صفحات كتاب الفيلسوف والقديس «أوغسطينوس» والمعروف بـ«مدينة الله» DI CIVITATE DEI، والمكتوب باللغة اللاتينية في نهايات القرن الخامس الميلادي.

صعود وهبوط

يعد أوغسطينوس صاحب أول وأهم كتاب اعترافات في تاريخ الأدب الديني والمدني الأوروبي، فيما كتابه «مدينة الله» يتناول قصة صعود الإمبراطورية الرومانية، وكيف سقطت خلال ثلاثة أيام كل عظمة المدينة الخالدة «روما» وأمجادها ودمرت تدميراً، ما جعل من الكتاب «سفراً» ضخماً في الفلسفة والأدب.

كان العام 410 ميلادية عاماً فاصلاً في تاريخ روما، حين اجتاح ملك القوط (مملكة جرمانية سيطرت على شبه جزيرة أيبريا وعلى ما يعرف الآن بجنوب فرنسا منذ القرن الخامس) «ألاريك»، وأعمل القتل والسلب والنهب في سائر أنحاء البلاد، ما أوقع ضحايا كثيرة لا تعد ولا تحصى عبر خراب وتدمير بلا هوادة..

في تلك الأوقات جرّد أوغسطينوس قلمه ليبيّن في كتابه ما الذي يعجل بسقوط الإمبراطوريات، وما يعتمل في داخل الإنسان، سواء من الخير أو الشر، وميّز بين الأخيار الذين يسعون إلى بناء مدنية الله، وبين الأشرار الساعين في طريق مدينة الأرض، بالمعنى الرمزي وليس الحصري.

وفي الحوار الذي دار بين أوغسطينوس، المولود في قرية صغيرة بشمال أفريقيا تسمى «تاغسطا»، وتعرف اليوم بسوق أهراس في الجزائر، ولاحقاً تلقى تعليمه في مدينة «قرطاج» التي تقع اليوم شمال العاصمة التونسية، وبين الرومان، لم ينس أن يشير إلى أن أعداءه اليوم قد يصيرون في الغد مواطنين له، وإن من يشاركونه الإيمان اليوم قد لا يكونون مشاركين له في المستقبل عبر المجد الأبدي لا الدنيوي، ذلك لأن مدينة اللهو ومدينة العالم متداخلتان ومتشابكتان، وستظلان هكذا حتى الدينونة الأخيرة.

أشرار وأخيار

في تفرقته بين الأشرار والأخيار يتوقف أوغسطينوس عند ملمح وملمس يتقاطع حكماً مع أحوال عالمنا المعاصر، حيث ملامح القوة والسطوة، البطش والإجحاف، لا العدالة أو المنظومة الأخلاقية هي التي تسود.

ويبدو أن هذا كان ديدن الإمبراطورية الرومانية، ولهذا سقطت سقوطاً مدوياً في أيدي القوط، وفي مقدمة أسباب انهيارها ضياع العدالة وأشياء أخرى.

يئن عالمنا المعاصر من غياب حالة العدالة الدولية، ولعل سكان الشرق الأوسط على الأخص يدركون هذا الأمر تمام الإدراك، لكن هل القوة الباطشة الغاشمة هي طريق بقاء الإمبراطوريات الكبرى أم مدعاة لزوالها؟ ولماذا تبقى العدالة هي الأصل وحال غيابها تضيع القوى العظمى؟

في الكتاب الرابع من المجلد الأول يحدثنا أوغسطينوس عن أن فقدان العدالة في بلد ما يحوله إلى مملكة للصوص... كيف ذلك؟

يقول اللاهوتي والفيلسوف الكبير: «إذا فقد العدل أصبحت الممالك جماعات كبيرة من اللصوص»... ويطرح التساؤل الفلسفي التالي: «وما جماعة اللصوص إن لم تكن مملكة صغيرة؟ إنها مجموعة من البشر تأتمر بأمر إنسان واحد، وتعرف بعهد اجتماعي ينظم تقاسم المغانم في ما بينها. إذا كانت المجموعة هذه شريرة وجنّدت أعضاء جدداً فيها فكبرت واحتلت بلاداً وأقامت لها مراكز مهمة واتخذت مدناً فأضعفت شعوباً، تتخذ علناً آنذاك لقب مملكة، لا يضمن لها الزهد بالجشع، بل عدم العقاب».

حديث أوغسطينوس يلقي بظلاله على فكرة الأطراف الدولية المهيمنة على المشهد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد انهار الاتحاد السوفييتي، والآن يشير الكثيرون إلى مستقبل الولايات المتحدة الأميركية وما تقوم به على الصعيد العالمي من هيمنة وبسط نفوذ عبر القوة الخشنة.

يستحضر أوغسطينوس حواراً دار بين أحد القراصنة الذين يصفهم بـ«اللبق» وبين الإسكندر الأكبر، وكان أن وقع الأول أسيراً بين يدي الأخير، وقد سأله الإسكندر سؤالاً مباشراً: «بماذا تفكر عندما تغير على البحر؟ وعندما تغير على مراكب الصيادين البسطاء؟» أجابه القرصان: «وبماذا تفكر أنت؟ وأكمل لأن مركبي سريع العطب سموني قرصاناً، وأنت بما أن لك أسطولاً عظيماً سموك فاتحاً».

كانت روما قد بسطت سطوتها على العالم شرقاً وغرباً، فيما غربت عنها شمس العدالة في الدول التي احتلتها، وإن بقيت الديمقراطية والمواطنة قائمة بالنسبة لمواطنيها في الداخل، الأمر الذي يطلق عليه «ديمقراطية المحتل»، ولهذا بدت كالقراصنة ما جعل الغرور يدب في أوصالها مع ما يستتبع ذلك من ملامح ومعالم انهيار داخل.

صورة من روما

هل من مقاربة بين مظاهر ومعالم النيوليبرالية والحريات غير المحدودة وتجاوز الناموس الطبيعي في مجتمعات بشرية اليوم وبين روما في القرن الخامس الميلادي حينما سحقها ومحقها القوط؟

المؤكد أن الحضارات تنهار حينما يتنامى الفساد في المجتمعات ويتعاظم الشر ويتفاقم... خذ إليك ما يكتبه أوغسطينوس عن ملامح ومعالم «روما» بوصفها مدينة أرضية في ذلك الزمان: «بغاء وشراسة، هوان وجرائم منسوبة إلى آلهة ينشرونها أو يخترعها الناس تحت التهديد، أعياد يقيمونها احتفاء بتلك القبائح تعرض أمام الناس ليقتدوا بها، شهوة دميمة تقنعهم بأنهم ليسوا سوى أرواح شريرة»... أجل كانت تلك حال روما في ذلك الزمان.

ما يخطه «أوغسطينوس» في القديم يدعونا كرجع صدى لمقارنة المشهد بما يحدث الآن في أوروبا والولايات المتحدة، ناهيك عن بقاع وأصقاع كثيرة حول العالم من شرور أدبية وأخلاقية تجعل الولدان شيباً.

غير أن أميركا تحديداً هي الأقرب إلى التشبيه بروما اليوم، على المناحي كافة، ذلك إن الانهيارات الروحية فيها مع تعاظم قوتها العسكرية وانهيار منظومتها الأخلاقية سهّل لها مجافاة كل ما هو إنساني، بل ومكَّنها من كل ما هو غير إيماني.

قبل بضعة عقود كان الشذوذ والإباحية حاضرة في المجتمع الأميركي، غير أنه لم يكن مقنناً أو مشرعاً، غير أنه ومنذ بضع سنوات أصدرت المحكمة الدستورية العليا في البلاد حكمها بتقنين هذا الشرّ الأخلاقي، ويومها أطلق باراك أوباما عبارته المتهتكة «الحب انتصر»... أي حب لعين هذا؟

ما جرى دعا واعظ أميركا الأول وواعظ الرؤساء والبيت الأبيض لستة عقود بيلي غراهام لأن يصرخ بصوت عال مطالباً بالاعتذار لأهل لوط... لماذا؟ لأن الشرّ وقتها كان حدثاً فردياً، أما اليوم فإن القانون يحميه.

روما العصر تتجاوز واشنطن وإن تمركزت فيها وجعلت منها القلب لـ«مدنية الأرض» التي فقدت التوازن الروحي وعكست قيمها الخلاقة، وروَّجت عوضاً عنها فلسفة القراصنة... الفوضى الخلاقة...

قامت باستغلال الفقراء وأطلقت عليه اليانصيب، كافأت الكسل وأطلقت عليه المساعدات الاقتصادية والإعانات الاجتماعية والعائلية. شرّعت الإجهاض، لتقتل أطفالاً لم يولدوا بعد، وأطلقوا على الأمر حرية الاختيار.

يؤكد غراهام أن واشنطن تحديداً أساءت استخدام السلطة وأسمت ذلك سياسة... طمعت في ممتلكات الأمم والشعوب وأطلقت على ذلك طموح... لوثت الهواء بالألفاظ النابية والمواد الإباحية وروّجت للأمر على أنه درب من دروب حرية التعبير..

مسؤولية السلاح

على أن قائلاً يقول: وهل تعني «مدينة الله» التحلل من الوسائل كافة التي تصون الأمن والأمان لسكانها، وهل يعني ذلك التخلي عن حيازة السلاح مرة وإلى الأبد وكأن أوان «المدينة الفاضلة» قد حان؟

يؤكد أوغسطينوس على أن السلاح ضروري حفاظاً على الأمن... كيف التوفيق إذن بين الحرب والسلام، وما الحدود الفاصلة كي لا تغري القوي سكان مدينة الله بالانجرار وراء أطماع مدينة الأرض؟

عند الفيلسوف الكبير أنه: «عندما توسَّع الدولة مؤسساتها وشرائعها وأرضها وتظهر على درجة من الازدهار والقدرة، فإن نجاحها يولِّد الحقد، وفق ما يقضي الحظ به في الأمور البشرية، فيختبر ملوك الأرض المجاورة لهم وشعوبها قدراتهم بالحرب».

تضعنا السطور السابقة في مواجهة، بل قل مجابهة مع ما جرى من الإمبراطورية الأميركية المنفلتة ـ والتعبير هنا للمؤرخ الأميركي بول كيندي ـ خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وميولها إلى ما عرف بـ«الحروب الاستباقية» المفتقدة لكل مقومات ومقدرات العدالة.

حروب لا تختلف عن قرصنة الإسكندر الأكبر، حروب ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، تخدم فكرة القرن الأميركي، ذلك التوجه الذي بلوره المحافظون الجدد في العام 1997 عبر الوثيقة الشهيرة (PNCA).

يعنُّ لنا أن نتساءل: هل باتت الحضارة الغربية تلامس حدود «مدينة الأرض» كما وصفها أوغسطينوس في مؤلفه الخالد؟

ربما نجد الجواب عند ريتشارد كوك الكاتب والمؤرخ الأميركي في كتابه الأشهر «انتحار الغرب»، إذ يرى أن الانتحار الفردي هو النهاية الطوعية الذاتية، وانتحار الحضارة الغربية هي النهاية الطوعية التي تفرضها تلك الحضارة بنفسها... أما لماذا؟

هل فات أوان اللحاق بـ«مدينة الله» في ظل الطريق السائر فيه أصحاب الحضارة الغربية بنوع خاص؟

يأمل البعض، أن يتدارك الغرب حضارته الاستهلاكية الآنية، ليخلق حضارة رحيمة إنسانية لشعوبها ولشعوب العالم لتكون نموذجاً جذاباً، لكي يستنهض معظم الإنسانية لجهة «مدينة الله» وتباعد المصير والمسير عن «مدينة الأرض».

غرور

يستطيع المرء أن يطالع في صفحات «مدينة الله»، كيف أن الغرور الإمبراطوري الروماني، نقل شعباً من الازدهار إلى حروب داخلية سارت بها على دروب الفوضى والاضطرابات، فمنذ ذلك، وحين لم تعد التقاليد القديمة للآباء المؤسسيين لروما تسير، طغى الترف والبخل على قلوب الشباب حتى استحال عليهم الحفاظ على تراثهم في نفوسهم، وأبوا أن يتقبلوه في نفوس الآخرين. في تلك الأوقات بدأت الجمهورية الرومانية تتحول شيئاً فشيئاً، وتتهاوى من علياء مجدها في الرذيلة والعار.

استبدالات

إن معالم وملامح «مدينة الأرض» باتت تصبغ حياة الإنسان الغربي، سيما وأن نموذج إنسان «مدينة الله» المتجذر تجذراً كاملاً في مجتمع ليبرالي، هو الفرد الذي يتلاشى الآن تدريجياً، وفي مكان الإيمان أضحت اللاأدرية أو النسبية هي من يشغل المكان، وعوض عن التفاؤل لدينا الجبرية، وفي مكان الأحلام باتت الكوابيس، وعوضاً عن التوفير والإشباع المؤجل للرغبات أضحى الاستهلاك هو فريضة الغرب الحاضرة، وفي مكان المسؤولية نحو الآخرين أصبح تفضيل الذات هو المعنى الأول.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا