• الخميس 08 رمضان 1439هـ - 24 مايو 2018م

بخصوص الصورة ورهان المعنى

ضَلالات الإدراك

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

محمد نورالدين أفاية

تَساوَق الاهتمام بموضوع الصورة والإدراك مع بدايات التفكير الفلسفي في إشكاليات المعرفة. في نصوص الفلاسفة ما قبل السقراطيين، وأفلاطون وأرسطو، مرورا بابن رشد، وصولا إلى ديكارت، ومن نحا نحوه أو تبرم من عقلانيته، نعثر على اجتهادات حول الحساسية والتصور والذوق والإدراك بوصفه مُستنَدا يُسعف أو لا يسعف، كل واحد حسب منطلقاته، في وضع نظرية عامة للمعرفة. وتعود أكثر التحفظات من الإدراك إلى تذبذب الأحكام الإدراكية، والمطبَّات التي يمكن أن يسقط المرء فيها، كما هو شأن المخيلة والأوهام.

ميَّز ديكارت بين الإدراك أو الإحساس الذي يقدم معطيات «مباشرة» وبين الحُكم الذي نُكونه عن الموضوعات التي تحملها هذه المعطيات. وإذا كان هناك من خطأ، في نظره، فإنه يكمن في الحكم وليس في المعطيات. ومن ثم تبرم ديكارت من الإدراك وشكّ في إمكانية بناء معرفة يقينية انطلاقا من معطياته. ما دفعه إلى الابتعاد عن جعل الإدراك أداة للوصول إلى الحقيقة التي لن تستقيم إلا إذا اعتمدت على «أفكار واضحة ومتميزة»، جديرة بإنتاج معرفة يقينية اعتمادا على قواعد العقل.

لم يكتف ديكارت بالتحفظ على الأحكام المُستندة إلى الإدراك وإنما تبرم من كل الملكات الأخرى لدى الإنسان، ولاسيما المُخيلة التي هي عنده سببًا في الضلال والخطأ. وقد نحا نحو ديكارت عدد من الفلاسفة. غير أن كانط أعاد الاعتبار للحساسية وللصورة، وللإدراك من حيث كونه يشكل المادة التي يشتغل عليها الفهم لبناء المعرفة.

معطيات الإدراك

موقفان اثنان ميَّزا مسار المعالجة الفلسفية لموضوع الإدراك. يتحفظ الأول على الحكم المُستنِد إلى معطياته؛ ويرى الثاني بأنه مادة لازمة لبناء فهم مطابق. وفي كل الحالات فإن أغلب الفلاسفة اعتبروا الموقف من الإدراك «مسألة معيارية» طالما أنه من الصعب إصدار حكم حول مدى دقة أو موضوعية «المعرفة الإدراكية». عوامل عدة توفر للعقلانيين الشك في صدقية معطيات الإدراك مادامت لا تتطابق، ضرورة، مع القيم المادية، «الواقعية» أو «الموضوعية»؛ إذ يكفي، في نظرهم، وجود تذبذبات وانزياحات للارتياب في مطابقة ما يأتي من الحس للفهم المتكون انطلاقا منه. لكن الجانب التكييفي لمعطيات الإدراك قد يمنح معنى جديدا لقيمة المعرفة الإدراكية في سياق انتظارات وحاجيات كل ذات مُدرِكة. وهكذا يتقدم الإدراك، البصري أو غيره، باعتباره رد فعل على محفز / منبه قابل للتحديد ماديا، أي ما تراه الذات أو تسمعه أو ما يظهر لها. ويأتي رد الفعل هذا أو الاستجابة جراء معطيات عملية في شكل كلام أو عوامل مادية مُحركة أو في هيئة صور.

ولعل المشكلة الكبرى تتمثل في تعيين الحدود التي تفرق بين الموضوعات والصور وإدراكها، أو بين المعطيات «الواقعية» وبين الأشكال التي ندركها. ذلك أن الموضوعات تتشابك بالظواهر التي بها تظهر وبنوع الجواب أو رد الفعل الذي يصدر عن الذات المُدرِكة لِما يتقدم أمامها من أشكال بصرية وسمعية ولمسية، وبالكيفية التي تمنح الذات لهذه الأشكال دلالاتها والوظائف التي تحددها لها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا