• الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439هـ - 26 فبراير 2018م

مقاربة فلسفية بين ابن عربي وميشيل فوكو

السَّفر الرّوحي إلى الحقيقة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

عزان المعولي

ما زال الإنسان يتقصى إشكالية الحقيقة في كياناتها المتعددة، سواء توافقت أبعادها أو تضادت، ومهما تباعدت أطرافها كمحصلة للتفكير، فهي بالنسبة للعقل المفكر أو المؤسس حقيقة كبرى.

لا يوجد معنى واحد للحقيقة، فكما أنها عند النبي تكون معنى للمنطق المتعالي أو الوجود الكلي نراها عند الفلاسفة تنكمش إلى زوايا أخرى، فالحقيقة هي سؤال سقراط أو مدينة أفلاطون، أو عزلة الكشف الغيبي عند ابن عربي، أو الطبيعة الاجتماعية عند ابن رشد، وهكذا تنزوي فكرة الحقيقة إلى فضاءات تحتشد فيها أذهان الفلسفة كمعضلة تقلق الإنسان القديم والحديث على السواء، على أننا لسنا نبحث في هذا المقال عن ماهية الحقيقة، أو كيف هي بل نحاول استقصاء الأفعال أو الأفكار الموصلة للحقيقة، بمعنى كيف نصل لإدراك الحقيقة أو ما هي الأدوات التي مارسها الفلاسفة ليقرروا معنى لديهم يمكن وصفه بالحقيقة التامة، نحاول البحث في ذلك من خلال قراءة فيلسوفين وجدا في زمانين متغايرين ومكانين متنوعين، فمن جهة نستكشف أفكار الشيخ محي الدين بن عربي (المتوفى عام 638هـ، 1240م) في بحثه عن الحقيقة كمقاربة فكرية مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926- 1984).

تحوّلات الذات

يسمي فوكو مقدرة الذات على معرفة الحقيقة «فلسفة»، أو هي الفكر الذي يتساءل عما يسمح للذات بأن تبلغ الحقيقة، ويطلق مصطلح الروحانية على التحولات والممارسات التي تقوم بها الذات من أجل أن تتوصل للحقيقة وتبلغ ماهيتها، وهنا تبدو لنا فكرة الروحانية إذا ما قارناها مع التصوف الإسلامي مألوفة ووثيقة الصلة برموز التصوف، فالحقيقة عند المتصوف ليست سوى انكشاف غيبي أو اطلاع على سر ميتافيزيقي لا يتحقق إلا بإخضاع الذات لتهذيب روحاني قائم على تحولات صارمة على مستوى كينونة الذات أو النفس، وهذا ما يتجلى في كتابات ابن عربي كفكر نظري وممارسة حياتية حسب سيرته وتاريخه.

وإذا كانت روحانية الغرب حسب فوكو لا تتحقق إلا بثلاث سمات على الأقل فإن ابن عربي كان قد فصل القول بتبيان دقيق عن الروحانية الإسلامية، وكيفية البلوغ لمراتبها المتعددة وهو موضوع هذا المقال.

إن الروحانية حسب فوكو تشترط «على الذات أن تتحول وتتغير وتنتقل وتصبح وتصير في بعض الحالات وإلى درجة معينة غيرها أو ذاتها، أي أن تصبح شيئا مغايرا لذاتها من أجل أن تتمكن من بلوغ الحقيقة»، وهذا ما يقرره فوكو كسمة أولية أو شرط أساسي للروحانية كي توصل الذات للحقيقة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا