• الأحد 11 رمضان 1439هـ - 27 مايو 2018م

العولمة الاقتصادية والثقافية والحالة «الفيسبوكية» تفرض نموذجها

المزيّفون..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

«الوجود الحقيقي في مواجهة الوجود الزائف». قد تثير هذه الجملة/‏ العنوان حفيظة بعض المتنطعين على الثقافة والتفلسف، ممن اعتادوا الاعتراض على كل كلام ترد فيه كلمة «الحقيقة»، ولهذا تراهم يرددون عبارات من قبيل: ليست هناك أية حقيقة أصلًا، ومن ثم ليس هناك أي معنى للحديث عن «وجود حقيقي»؟ ولن انشغل هنا بمجادلة هؤلاء ساعيًّا إلى إظهار معنى الحقيقة الذي أفصحت عنه في كثير من كتاباتي، والذي أفصح عنه الفلاسفة العظام في مؤلفاتهم الخالدة، بدءاً من أفلاطون وحتى هيدجر، فليرجع إلى ذلك من يشاء.

ما يشغلني الآن هو مجرد خاطرات أو لُمَع تشخّص طبيعة الإنسان الحقيقي كما نجده في الحياة اليومية، بوصفه ذلك الإنسان الذي يكون على ما هو عليه، فهو لا يرتدي أقنعة مزيفة ولا يسلك سبيله في الحياة إلا بحسب ما تعلمه من الحياة ذاتها ومن التجربة التي يعايشها ويعانيها في تلك الحياة، وبحسب ما يتطلع إليه فيها من قيم ومُثُل عليا.

ولكن أن يكون المرء هو نفسه، أي أن يكون شخصاً غير مزيف سواء أكان شخصاً عادياً أم شخصاً مبدعاً أو شخصاً ذا حيثية في الواقع هو أمر ليس بالهيّن، لأنه يواجه تحديات عديدة لا حصر لها، وخاصةً في عالمنا الراهن الذي نجد فيه ذواتنا محاصرة بواقع دخيل عليها وإن كان من صنع الإنسان نفسه... واقع يستلب الإنسان على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، ومن ثم يسبب مزيداً من الشعور باغترابه الذي يترسخ في أعماقه دون أن يدري أحياناً.

لا أريد هنا أن ألجأ إلى التنظير الجاف، وإنما أريد أن أكشف عما تعلمته من النظر في الواقع الذي نعايشه في حياتنا الراهنة، لعل هذا يقرِّب النظر الفلسفي إلى الأفهام. أريد أن أكشف هنا عن حالتين في حياتنا اليومية تجسدان صورتين من صور الوجود الزائف، وهما: حالة العولمة الاقتصادية والثقافية، والحالة التي أسميها «بالحالة الفيسبوكية» كمثال على تهديد التكنولوجيا للوجود الحقيقي للإنسان.

آثام

تأمل أولاً، حالة العولمة على المستوى الاقتصادي فحسب... تأمل حال هؤلاء الملايين من البشر الذين يتناولون يومياً وجبات الغذاء المدمّرة للصحة من المطاعم العالمية مثل: ماكدونالدز وكنتاكي وغيرها. وتأمل هذا السعي المحموم لهؤلاء في التسوق من أجل شراء الملابس التي تحمل أسماء الماركات العالمية أو التي تحمل صورة مقلدة منها بإتقان والتي يسمونها original copy، أي نسخة طبق الأصل، حتى أنه قد أصبحت هناك صناعات خاصة تقوم على تقليد هذه الماركات العالمية، لكل منها زبائنها بحسب درجة التقليد التي تحدد سعر السلعة، بحيث أصبح المستهلك في النهاية أسير الماركة أو «اللوغو» المطبوع على المنتج.. أصبح إنساناً مهووساً بالماركة أو الشعار، وليس بما يريحه أو يحبه أو يمكن أن يستمتع به. لم يعد هذا الإنسان المعاصر في عمومه يبحث عما يمتعه... لم يعد ينظر إلى ما يستهلكه باعتباره مجرد أدوات من أجل متعته، بل أصبحت تلك الأدوات نفسها هي ما يتملكه ويسيطر عليه، وعلى هذا تقوم الرأسمالية المتوحشة في عالمنا الراهن... فهي لا تعبأ بالبشر الحقيقيين الذين يشكلون قلّة، وإنما تعبأ بجموع البشر الذين يمكن السيطرة عليهم وتوجيه سلوكهم وأذواقهم. إنها حالة تخلق عالماً من البشر بلا هوية، ولا شخصية أو كينونة، حتى على المستوى الفردي أو الشخصي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا