• الأربعاء 06 شوال 1439هـ - 20 يونيو 2018م

تبلغ مشتقات كلمة حب في العربية ستين اسماً

عندما يعشق العرب..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

د. حورية الظل

ما نعرفه هو أن للعشق العربي جذوراً عميقة في الحضارات الشرقية القديمة، فهو ممجد في أشعار البابليين والمصريين القدامى، لكن تم تغييبه عن الحضارة اليونانية، لأن فلاسفة اليونان اعتبروا الحب بين الرجل والمرأة حاجة جسمية فقط، مثل الحاجة إلى الطعام والشراب. والعرب شكلوا استثناء في مسألة العشق، فتفوقوا فيه ونبغوا في أزمنة ولّت، وقد عبّروا عنه شعراً ونثراً بكل حرية وانطلاق.

شعر الغزل العربي وصل إلى أوروبا عبر الأندلس، لأن موطنه الأصلي هو الجزيرة العربية، وبعض الشعراء الغربيين رغبة منهم في البروز نسبوا جذورهم إلى العرب، كالشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين(1790 - 1869)، وأيضا شد الكثير من المستشرقين الرحال إلى الشرق لأنهم اعتبروه جنة للحب.

والعشق العربي متضمّن في الأشعار الجاهلية والإسلامية والتصوف والدراسات والسير الشعبية وألف ليلة وليلة، وأغلب الذين قاربوا موضوع الحب عند العرب ركزوا على الشعر في الغالب، وظلّت الأشكال الخطابية الأخرى التي تناولته مهملة، إلى أن نفض المستشرقون عنها الغبار فتبوأت مقاماً واحداً مع باقي التراث العربي، الأمر الذي حدا بالدراسات المعاصرة إلى جعلها في صلب الثقافة العربية.

الحب موزوناً

يكفي أن نتصفح الشعر الجاهلي ليطالعنا التغني بالحب وبالمحبوبة في مطالع القصائد ،ويعد هو والحرب غير منفصلان، فقد قرن الشاعر العربي بطولته في الحرب بالتغزل بالمعشوقة، ومما قاله عنتر ابن شداد في حبيبته عبلة:

أحبك ياظلوم فأنت عندي

مكان الروح من جسد الجبان

ولو أني أقول مكان روحي

خشيت عليك من بادرة الطعان

وامرؤ القيس كان أكثر جرأة عندما تغنى بالمرأة التي أحب بقوله:

نظرت إليها والنجوم كأنها

مصابيح رهبان تُشب لقُفّال

سموت إليها بعدما نام أهلها

سمو حباب الماء حالا على حال.

وفي بداية العصر الإسلامي تغيّرت النظرة إلى شعر الغزل الذي أجاده الشاعر العربي، نتيجة الفتوحات الإسلامية التي جعلت العالم الإسلامي مشرّع على أجناس وبلدان جديدة، الأمر الذي أدى إلى تبادل التأثير والتأثر على مستوى العادات والتقاليد والثقافات، والعشق أيضاً طاله التأثير فتعدد وأصبح ثلاثة أنواع، حب عذري، وحب معتدل حافظ على الكثير من خصوصيات الشعر الجاهلي، وحب ماجن.

المرأة المستحيلة

والحب العذري نشأ في البوادي فلم تدنسه الحضارة، وظل على طهره، وقد نُسب العاشق للمعشوقة، كمجنون ليلى، وكُثير عزّة، وجميل بثينة، وكان العاشق لما يتغزل في موضوعه المتميز بالاستحالة في الغالب يزهد في الحسي، ويكتفي بخطاب عفيف يغيب فيه صوت الشهوة، لأن مطلبه روحي خالص، وناتج ذلك عشق أبدي لن يتبدل حتى وإن أراد العاشق ذلك، وفي هذا المعنى يقول قيس:

أما عاهدتني يا قلب أني

إذا ما تبت عن ليلى تتوب

فها أنا تائب عن حب ليلى

فما لك كلما ذُكرت تذوب

وما ميّز هؤلاء المبتلين بعشق امرأة مستحيلة، أنهم عانوا من آلام مبرحة على النفس والجسم، نتيجة مُرّ الفراق واستحالة الوصل وأغلبهم أوصلهم حبهم الذي لم يغادر عنفوانه أبداً إلى درجة الموت أو الجنون.

أما الحب الماجن والإباحي، فتم فيه تغليب الجانب الحسي من قبل الشاعر وهو يصف المحبوبة ويتغزل فيها، في وقت كان لا يزال الشعر الجاهلي مسيطراً على الذوق العام، ومن شعراء هذا النوع عمر ابن أبي ربيعة. وفي العصر العباسي تطورت الحياة الاجتماعية أكثر فسجل شعر الغزل انحرافه إلى التغزّل بالمذكر بدل المؤنث، وهو ما سمي بالشعر الفاحش والماجن، ومن شعراء هذا النوع أبي نواس وحماد عجرد ومطيع ابن إياس.

عشق النساء

والمرأة العربية أيضا عبّرت عن حبها للرجل علامة على حرية مستفيضة تمتعت بها في الماضي، وولادة بنت المستكفي، الأميرة الأندلسية التي تنتمي لبيت الخلافة الأموية بالأندلس تأكيد على حرية المرأة وتقدير المجتمع لها في ذلك الوقت، حيث لم تمنعها عراقة محتدها من التغزّل في الرجل الذي عشقته، وقيل بأنها كانت تكتب على طرفي ثوبها هذين البيتين وهما من قصيدة غزل في حبيبها ابن زيدون:

أنا والله أصلح للمعالي

وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها

من خلال ما سبق يتوضح بأن شعر الغزل أغنى التراث العربي، وشهد الدارسون الغربيون للعرب بطول باعهم ونبوغهم في هذا النوع من الشعر الذي من خلاله استنتجوا رقة الإنسان العربي في الحب، وإنه يتمتع بحسّ راقي وذوق رفيع، ولم يتوقف التغني بالمعشوق عند شعراء الغزل وإنما تجاوزه إلى المتصوفة الذين أعلنوا من خلال أشعارهم ونثرهم ومجاهداتهم عن معشوق غير أرضي وعشق من نوع آخر.

أصل الحب

العشق الإلهي عند المتصوفة هو أصل الحب، وهو المبتدأ والمنتهى، إنه عشق متعال، ومجاهدة وعذاب لنيل القرب من المحبوب أو الفناء فيه، وأول من تغنى به من المتصوفة، رابعة العدوية، والحبيب الأوحد الذي عشقته هو الله جلّ جلاله، وعشقها له ليس طمعا في جنّة أو خوفاً من نار، وإنما هو ابتغاء لوجهه تعالى:

أُحبُّك حبّين حبّ الهوى

وحبّاً لأنك أهلٌ لذاكا

فأما الذي هو حبُّ الهوى

فـشغلي بحبك عمّن سواكا

أما الشاعر المتصوف ابن الفارض الملقب بسلطان العاشقين، فقد عبّر عن عشقه الإلهي بقوله:

وارحم حشـى بلظى هواك تسعرا

زدني بفرط الحب فيك تحيُّرا

وإذا سألتك أن أراك حقيقة

فاسمح، ولا تجعل جوابي: لن ترى

وابن عربي يرى في «ترجمان الأشواق» وفي «الفتوحات المكية» بأن الحب هو أصل الوجود وهو القائل:

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

ومما قاله أيضا: «حمداً لرب العزة، وقد جعل الهوى حرماً تحج إليه قلوب الأدباء، وكعبة تطوف بها أسرار ألباب الظرفاء، فجعل الفراق أمرّ كأس تذاق وجعل التلاقي عذب الجنى، والوصال طيب المذاق... يا من تيمني بحبه، وهيّمني بين بعده وقربه، فليتني أتحقق... أرنو لمشارف الحقيقة لتنعم العين والفؤاد»

والحلاج يرى بأن «ذات الله العليا تتمثل في الحب»، ورقصة مولانا جلال الدين الرومي كانت من أجل تصفية النفس للقرب من الله ونشر الحب والتسامح.

مراتب الحب

ليس من قبيل المصادفة أن تبلغ مشتقات كلمة حب في اللغة العربية إلى ستين إسما، وموضوع الحب جرّ للكتابة عنه، فقهاء وعلماء ومفكرون كبار كالسيوطي وابن القيم الجوزية وابن حزم وغيرهم كثير، ولم يتوانوا عن فعل ذلك وهم مسلحين بعلمهم الغزير وبالكثير من الفطنة والذكاء.

فهذا الثعالبي قد جعل للحب مراتب، أولها الهوى، ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب، ثم بعد ذلك يأتي الكلف، ثم العشق، واللوعة واللاعج، وبعد ذلك يبلغ الحب شغاف القلب، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، وبعده التنسيم، ثم التبل أي يصبح المحب سقيماً عليلاً، ثم التدليه وذلك بذهاب العقل من الهوى (مدلّه)، والمرحلة الأخيرة الهيوم، وتعني لما يهيم العاشق على وجهه ويصل درجة الجنون.

والجاحظ أيضا كتب عن الأحوال الغريبة للعشق وأنه لا منطق له، وعبّر عن ذلك بقوله: «إن العاشق كثيراً ما يعشق غير النهاية في الجمال، ولا الغاية في الكمال، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة، ثم إذا سئل عن حجة في ذلك لم تقم له حجة».

وابن حزم الأندلسي ألف حول الحب كتابه «طوق الحمامة» واعتبره الدارسون من أدق ما كتبته العرب في دراسة الحب، ويحتوي الكتاب على أخبار وأشعار وقصص المحبين، ويتناول بالدرس والتحليل عاطفة الحب، وفي أحد الأبواب يحذر من الحب الذي يكون من النظرة الأولى بقوله: «كثيراً ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسماً ولا مستقراً».

وابن الحسين السرّاج خلّف لنا كتابه «مصارع العشاق»، وبما أن الحب أوله لعب وآخره عطب، فإنه كتب عن أولئك الذين ماتوا عشقاً، أما ابن القيم الجوزية فقد ألّف «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»، وداوود الأنطاكي كتب أيضا «تزيين الأسواق في أخبار العشاق»، وهناك مؤلفات أخرى يضيق المجال عن ذكرها وكلها حول الحب وأحواله.

وما يمكن قوله عن هذه الدراسات أنها دلّت على تفوق العرب في تناولهم لموضوع الحب على ما ساد وقتها من حرية فكرية وحرية في الخطاب، وأيضاً على ما تمتع به هؤلاء الدارسون من موسوعية وشمولية وذكاء. ورغم كونهم علماء كبار فقد انجذبوا لموضوع العشق الذي يمثل الغريب والغامض والمستهجن في بعض الأحيان مقارنة مع مؤلفاتهم العلمية الأخرى، لكن هذه المؤلفات العشقية لم تزحزحهم عن مكانتهم التي تبوؤوها لأنهم كتبوها برصانة وحذر، ولم ينزلقوا إلى الابتذال. والأمر المؤسف أنه في وقتنا الراهن أصبح الكثيرون يعتبرون اقتراف الكتابة عن الحب جريرة وتهوراً وجرأة فادحة يعاقب عليها بالمنع في غالب الأحيان وبالاستهجان في أخف الحالات، وما رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري وغيرها إلا دليل على ذلك؟ في حين كانت في القديم تكتب كتب مثل «الروض العاطر» في عصر ازدهار الفقه والعلوم، ولم تمنع من التداول.

من خلال ما كتبه العرب عن الحب، سواء كان نثراً أو شعراً، أكدوا بأن تفوقهم فيه قد تحقق فعلاً، وهذا يعني أن علينا القلق من الحاضر ونحن نرى أرضنا العربية أضحت جدباء ولم تعد تنبت لا حباً ولا عشقاً ولا محبة أو تسامحاً أو حرية فكرية، وإنما أصولية متطرفة وأفكاراً ظلامية وتصحراً فكرياً وثقافياً.

أشهر العشاق

يأتي في مقدمة أشهر العشاق في التراث العربي قيس بن الملوح وليلى، الذي لقّب بمجنون ليلى، وهي ابنة عمه حجبت عنه عندما كبرت.

ويأتي بعده جميل بثينة، فقد رآها وهو يرعى الإبل، فنفرت إبله من إبلها فقام بسبها، لكنها لم تسكت، بل ردت عليه وبدلاً من أن يغضب أعجب بها وبدأت قصة الحب.

أما حكاية عنترة وعبلة، فتبدأ من انتماء عنترة إلى قبيلة عبس العربية، وقد رفض والده الاعتراف به في البداية لأن أمه جارية تدعى زبيبة. ظل منبوذاً لفترة إلى أن بلغ به الشباب وقاتل ببسالة فتم الاعتراف به وتحرر من العبودية. لكن حبه لعبلة، أخذ منحى تعجيزياً بسبب طلبات والدها.

ومن القصص الرائجة أيضاً، قصة قيس بن ذريح، الذي سمي بمجنون لبنى. وهو كان ابن أحد أثرياء البادية وحين التقى مصادفة بلبنى هام بها حباً وتزوجا.. لكن لبنى كانت عاقراً فأصرّ أهله أن يتزوج بأخرى أو يطلقها. عاند وحاول وصلّى وبكى، لكنه في نهاية المطاف قام بتطليقها، فرحلت إلى أهلها في مكة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا