• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

لم نعد نستغرب سورياليَّته مقارنة بسورياليّة واقعنا

دالي.. تسييلُ الزمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 ديسمبر 2015

رضاب نهار

مشهد يمكنك أن تراه مرتين فقط لا أكثر، مرة في مناماتك وتخيلاتك في أحلام اليقظة، والمرة الأخرى في أعمال الفنان التشكيلي الإسباني سلفادور دالي (1904 1989)، حيث استطاع بلوحته «الزمن» («إصرار الذاكرة» في تسميات أخرى)، الموجودة حالياً في متحف الفن الحديث في نيويورك، أن يجسّد هواجسنا وتهيؤاتنا العالقة بين الحلم والواقع، من خلال أشكال وتكوينات أصّلت أسلوبه السوريالي في الفن والحياة، فكان الوقت بالنسبة له، عاملاً أساسياً في المفهوم الفلسفي العام باعتباره المحور الأهم الذي تدور حوله بقية المفاهيم والأشياء والأحداث.

واليوم وبينما نحن نقف على مشارف عام جديد، بعد أن ودعنا آخر مضى ورحل بعيداً، يبدو موضوع اللوحة بما تطرحه من مفارقات وثيمات عبثية، جاذباً للمشاهدة وللقراءة والتحليل. ولم يعد بالإمكان ولا للحظة واحدة، أن ننظر إليها مندهشين أو بنظرة يملؤها الاستغراب والاستنكار من هذا النمط الفني في التعبير، كما لو أننا من متذوقي الفن الكلاسيكي ومن المعتادين عليه، فما يحدث الآن وهنا، حولنا، وفي كل مكان، جعلنا كائنات سوريالية بفعل الزمن، وصرنا نعي تماماً إلى ماذا يشير دالي بهذا العمل أو ذاك، وماذا يريد أن يقول عبره!..

تشكل اللوحة المرسومة عام 1931، بعناصرها وتكويناتها وفق مستويات عدة، وبألوانها الدافئة والجميلة أيضاً، عالماً مثيراً مجتزءاً من الأحلام، كلقطة ثابتة من تداخلات شتى حدثت في ذهن أحد الأشخاص. تثير بدورها أسئلة عديدة عن جدوى الوقت وآثاره المستمرة يوماً بعد يوم دون توقف. فتراه يهلكنا ولا يهلك، يغيرنا ولا يتغير. إنه العنصر الوحيد الماضي منذ البداية إلى النهاية وفق تواتر واحد، لا تقصير أو تأجيل، لا يهتم بآلامنا وبأفراحنا، على الرغم من أنه بطل أساسي في إثارتها. ومهما تبدلت الكائنات والظروف من حوله، لا يهتم، ولا يكترث على الإطلاق.. وربما نحن اليوم وبعد كل ما مضى ندرك جيداً معنى أن يكون الزمن شريكاً فاعلاً في تشكيل حيواتنا ومصائرنا، وكيف يمكنه أن يتدخل دون استئذان ليبدّل كل شيء إلى ما هو مختلف تماماً..

وينعكس الإصرار الفعلي والكبير للزمن في اللوحة من خلال وجود ساعات مبعثرة هنا وهناك، بطريقة فوضوية لكنها بدت أنيقة في الوقت نفسه. فجاءت بألوان تدل على روح الحياة وتبعث على الراحة في بعض الأحيان، ويستوقفنا ما حدث لمعظم هذه الساعات من ذوبانٍ وتماهٍ وانصهار مع بقية العناصر المتموضعة فوقها. ليؤكد لنا قوة «الزمن» الذي يصر على الاحتفاظ بتفاصيله الدقيقة مهما كانت المتغيرات والظروف الصعبة حوله. لكن في الوقت نفسه ثمة إشارة واضحة إلى تآكله وتآكلنا سواء من خلال الساعة البرتقالية اللون التي غزاها النمل، أو من خلال المشهد ككل، حيث طويت ساعة من المفترض أنها صلبة، على نفسها فوق غصن شجرة وحيد وجاف.

وبشكل عام، لا يمكن للعين أن تخطئ التشويه الموجود في اللوحة للأشكال المتعارف عليها على أرض الواقع، الشيء الذي تفرضه روح السوريالية القائمة أصلاً على خبايا المنام وأحلام اليقظة، لتجمع ما بينهما من تدرجات وتأرجحات تتمثل بين الواقعي واللاواقعي، الحقيقي والمتخيل. مثل ذلك الوحش المتكئ على الشاطئ في منتصف اللوحة والذي يكاد يعبر عن وجود سلفادور دالي في كثير من لوحاته، يظهر كامناً أو خاملاً، بينما ساعة مرتخية فوقه. وهو مشهد، بالرغم من كل غرابته، ترانا ننظر إليه اليوم باعتباره ممكناً وغير غريب. كما أسهمت الخطوط المنحنية لبعض الأشكال في جعل المنظر أكثر سحراً وليونةً في الوقت نفسه.

أيضاً، قد لا نستطيع هنا أن نفصل بين المكان والزمان كمفهومين مختلفين، فتمثيل الوقت من خلال تواجد الساعات كشيء له كتلة محددة يتموضع على الأسطح وعلى العناصر المكانية المختلفة المستويات والخطوط، ويتآلف مع الأشياء والكائنات، لا بد وأنه يشير بطريقة ما، إلى أن للزمان والمكان مفهوماً واحداً، خاصة إذا ما نظرنا إلى تلك الساعات الآخذة بالتميع على الوحش، على السطح الهندسي، على غصن الشجرة، وكل ذلك وسط منظر طبيعي لشبه جزيرة بغاية الواقعية والسحر، تشكلها خطوط أفقية تظهر المدى البعيد للعين.

من جهةٍ أخرى، قد يعتبر البعض الصورة بمجملها، بما توحيه من هجر وتكلّس، مخيفة ومثيرة للرهبة. مع الإحساس ضمناً بأنها تعبّر عن مشاعر وافتراضات مشتركة بين جميع البشر، قديماً واليوم وغداً. فلا ينكر أحد أن إشكالية «الزمن» ومصطلحاته المنشقة عنه، الكثيرة والمختلفة مثل القدر والتاريخ والمصير، تحتل مساحة كبيرة من التفكير الإنساني، ولا زالت لغزاً يحيّرنا.

ونعم، للزمن تفاصيله الغامضة والشائكة المستمرة إلى ما لا نهاية، لكن لوحة مثل «إصرار الذاكرة» لسلفادور دالي تستطيع الاقتراب من مفهومه، ليغدو هذا (الغير معلوم والغامض)، قريباً بحيث لا يخيفنا لاحقاً. أو بمعنى آخر، ساعدنا هذا العمل الفني الهام في تفسير أو إدراك جزء بسيط من نظريات الزمن الكبرى، تؤكّد احتفاظه بذاكرتنا حية مهما حصل، حتى لو تلاشينا وتآكلنا بفعله، ومضى وحيداً إلى غير رجعة، لتغدو الأحداث وقتها ذاكرة ليس إلا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف