• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

محاولاً الإمساك بالمنسي في الذات والأشياء

علي البزاز.. أثر الزمن الهارب!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 31 يناير 2015

محمد نجيم (الرباط)

«كلنا أثر، كلنا وجه وقفا» هو العنوان الذي اختاره الفنان التشكيلي والشاعر العراقي علي البزاز لمعرضه المُقام مؤخراً بالمركز الثقافي الهولندي في الرباط. سعيد البزاز: الشاعر الذي استقر منذ سنوات في المغرب قادما إليها من أصقاع من هولندا، حاملا أشعاره وألوانه وأصباغه ومحنة بلاده العراق.

في هذا المعرض، يحاول الفنان علي البزاز أن يأخذ الأثر بقوة الشاعر، يحاول الإمساك بالهارب من هذا الأثر وهذا المنسي في الذات والأشياء، تلك الأشياء التي ترافق الذات وتساير آلامها ومحنتها. على امتداد مساحة تسبح في ألوانها القائمة التي تعكس الغموض والصمت والقلق وتعدد أشكال التيه والتشظّي.

علاقة الفنان علي البزاز بالفن بالفن علاقة شهوة، أو على الأقل رغبة حارة ليس في تسجيل مشاعر وانفعالات وحسب، إنما رغبة في استخدام أداة تعبير أكثر حساسية من اللغة التي طالما استخدمها ككاتب وشاعر. فهو ينطلق في لوحات معرضه هذا من «ضرورة داخلية»، على حد تعبير كاندنسكي، أستاذ التجريد في العالم، ينطلق من ضرورة قصوى للبوح أو تسجيل كل ما هزّ ويهز كيانه من أحداث وأفكار. فالفن عنده، وإن اتجه نحو خلق فضاءات تجريدية، يتضمن آراء وأفكاراً، بل يرسم علاقة البزار بالعالم من حوله». يقول أحمد بزون في كتيب المعرض.

مضيفا «تتحرك الكتل بتركيب ديناميكي حر، يحوّل اللوحة إلى عالم متغير، يحافظ فيه الفنان على خلق أبعاد وهمية تنفتح بغموضها الجميل على مروحة من التأويلات، وخلق نوافذ تتحرك من خلالها عين الرائي، لتتجول مع تواتر الانفعال بين متعة المشهد اللوني ومتعة التخييل الشعري خلف الأثر. الأثر في المنجز الفني، لهذا الفنان، يقول الناقد الجمالي محمد الشيكر « لا يحيل على تلك البقية الباقية من زمن مضى وانقضى، ولا يومئ، عنده، إلى وجود عفَّ عليه الزمن ولم يبق منه غير رسوم دارسة. إن الأثر في أعماله الفنية ينضح على العكس من ذلك، بالحركة، وينبض بالحياة، ويكثف الوجود والزمن، ويعمل على مَشْهَدَة تفاصيل الذاكرة في مرايا الهوية والغيرية والحضور والغياب. لا يتغيا الفنان والشاعر علي البزاز أن يجعل من الأثر محض تأثيث لعالمه الفني أو سنداً خارجياً من أسانيده، بل يطمح، أبعد من ذلك، إلى تحويل الأثر إلى عمل فني، ومأثرة جمالية.

يقول كانط «الفن، ليس تمثيلا لشيء جميل، بل هو تمثيل جميل لشيء ما». واللمسة الفنية الباذخة لعلي البزاز تكمن في هذا التمثيل الجميل للشيء/ الأثر، وفي تحويل أشياء معينة، عادمة متلاشية وغفل من كل قيمة إلى أثر فني وقيمة جمالية. فالأبواب والنوافذ والزوائد التي تخلص منها أصحابها، لأنها فقدت وظيفتها اليومية الجارية، تتحول بين أنامل البزاز إلى منجزات فنية، تدل على زمنها الخاص (زمن الأثر) وعلى زمن الذات المبدعة (زمن الأثر)، وتتعالق عبرها ألوان وصيرورات الحاضر والماضي. يتعقب الفنان علي البزاز تحولات الأثر، ويحرص على القبض عليها فينومينولوجياً في الحدود الملتبسة بين الذاكرة والنسيان والحضور والغياب. ولا يكتفي بالتوسل بأيقونات دالة على الأثر بوضعه معطى مادياً محسوساً (الأبواب، المفاتيح، القطع النقدية…) بل يعتمد أيضا، لتبئير دلالاته، على بلاغة الخدوش والنتوءات، وعلى شعريات اللون التي تؤجج في العين والقلب توقاً نوستالجياً إلى زمن هارب وتطلعا إلى وجود إنسيابي طالته يد المحو والغياب. وعبر تجريد الألوان من إحالتها الواقعية المرجعية والبحث عن الماهية الثاوية خلف المادة وإظهار ما ليس شيئيا خلف هوية الأشياء المحسوسة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا