• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

الخرطوم.. سمراء تبتسم بشفاه النيلين

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 05 مايو 2007

جميل رفيع:

دارفور ظهرت في حياتي فجأة دون سابق إنذار.. لم ألتفت كثيراً إلى نشرات الأخبار وهي تتناول اتفاق ''نيفاشا'' الذي حسم الموقف بين الحكومة الانتقالية وجنوب السودان، ولا تلك التي تناولت قضية دارفور وما تمخض عنها من اتفاق سمي باتفاق ''أبوجا'' بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة في الإقليم، أعني إقليم دارفور وما رافق ذلك من تحركات محلية سودانية وإقليمية ودولية حتى صورت تلك المنطقة من أخطر مناطق العالم.

إلى تلك المنطقة الملتهبة من العالم كلفت برحلة للوقوف على الحقائق على الأرض هناك، وكان التكليف لي كالصاعقة، ليس خوفاً فالمغامرة زاد الصحافة، لكن ما انتابني من توتر هو أنني متابع للشأن المحلي الداخلي وأشعر بأن لدي القدرة لرصد أي حالة أو ظاهرة في المجتمع لعلمي ودرايتي ولأني جزء منه، أما أن أكون مكلفاً بتغطية منطقة ملتهبة في الشمال الغربي الأفريقي ورصد الحالة والواقع على الأرض، فذلك صعب، لأن المسألة تحتاج إلى خلفية عن تاريخ المنطقة وطبيعة الصراع الدائر محلياً وإقليمياً ودولياً وليس هناك أي متسع للوقت فالسفر غدا، لذلك وجدتني لدى سماعي بأني المقصود بالمهمة أقرع كافة الأبواب للإلمام بالموضوع وطبيعة الصراع وما نتج عنه حتى الآن كمثل طالب كسول جلس العام كله لهوا ولعبا وجاء في نهاية الليل ليذاكر والاختبار غداً، وعليه إنجاز المنهاج كله في ليلة واحدة.

تأجل السفر فجأة لمدة يومين، وأسعدني ذلك كثيرا لأن هذا التأخير أسعفني لإكمال ما كنت قد بدأت بقراءته.. قرأت كل ما وقعت عليه عيني، إضافة إلى الاستماع إلى زملائي السودانيين وخاصة أولئك الذين يرعون الشأن السياسي في الصحيفة.. وحتى يوم السفر كنت قد أعددت زاداً لا بأس به يجعلني على الأقل أتمكن من طرح الأسئلة المهمة بشأن الصراع، لعلمي أن الصعوبة تكمن دائما في طرح الأسئلة.. كان علينا أن نتجمع في مبنى القنصلية السودانية في دبي قبل مغادرتنا المطار متوجهين إلى الخرطوم، وكنت قد أمضيت حوالي الساعة أبحث عن مقرها في المدينة حتى قادني تفكيري إلى أن اترك سيارتي الخاصة، لأستقل تاكسي إليها لان الوقت مضى كالسيف. وفي القنصلية التقينا بسعادة السفير وبوجوه سودانية عديدة أظهرت لي جزءا من الصورة التي أنا مقبل عليها. كما تعرفت على زملاء الرحلة واستمعت إلى معلومات لا بأس بها حول قضية دارفور وجذور الأزمة. ولا أدري ما الذي أصابني، فرغم إلمامي النسبي بالموضوع الذي أتوجه إليه أصبت بحالة اكتئاب. وحقيقة الأمر لا تسعد أبدا، خاصة في ظل ما تناولته وكالات الأنباء عن الصراعات والقتال في المنطقة، والسلب والنهب والقتل على الهوية والأمور كلها لا تبشر بخير، إلى درجة تخيلي أنني لن أعود في ظل هذه المعطيات.

جلست في الطائرة مشتتا لا ادري ماذا افعل، هل أنام حتى نصل، لكن النوم لا يأتي.. أشاهد فيلما عبر تلك الشاشة التي نصبت على ظهر الكرسي أمامي؟ قررت أن أفعل ذلك لكن ذهني ذهب بعيدا، لتقاطعه المضيفة التي توزع ابتساماتها على جمهورها من الركاب، وسؤالهم حول تقديم خدمة شرب أو أكل، ولم اهتم بذلك كثيرا كما لم أشاهد ما كنت قد نويت مشاهدته..

الوقت يمر بطيئا وأخيرا، لكن ها قد حطت الطائرة في مطار الخرطوم وتم استقبالنا بحفاوة وكرم ضيافة شملتها تلك الحميمية التي يغرقك بها أبناء السودان الشقيق.. لم نقم تلك الليلة في الفندق الذي كان الكل مقرراً أن نبيت فيه، ولم نعلق كثيراً على السكن في ذلك الفندق المتواضع لأننا مرهقون، وبعد اقل من ساعة فوجئت بهرولة احد الزملاء وهو ينادي وهو ما أثار فزعي، فعندما تحركت لأعرف ماذا يحدث وجدت الزميل قد أصبح خارج الغرفة، فاقتربت منه، فطلب مني أن أنظر إلى السقف، وقال إنه لن ينام ليله في هذه الحجرة، فأخبرته أن لدي سريرين في الحجرة بإمكانك أن تأخذ واحدا.. لم يكن ذاك الذي أخاف زميلي سوى (برص). ... المزيد