04:40    الجيش الاسرائيلي يعرض هدنة انسانية لمدة أربع ساعات في مناطق محددة من قطاع غزة     

شغلتهم هموم الإنسان المعاصر ففجروا بداخله طاقة الجنون

آباء مسرح العبث

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 نوفمبر 2012

أحمد علي البحيري

لم يكن أيّ واحد من أولئك المؤلفين الذين يعتبرون آباء مسرح العبث وهم صموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وآداموف، في الأصل من رجال المسرح، وإنما كانوا في البدء مجرد مراقبين يلاحظون المسرح الواقعي كما عرفوه في شبابهم، وقد انتهوا من مراقبتهم لهذا المسرح إلى أنّ الفن المسرحي كما رأوه ليس إلا فنّا يستعبد المشتغل به، ويرغمه على محاولة تقليد الحياة تقليدا أشبه بعمل المصور الفوتوغرافي، ولذا فإنهم حينما شرعوا أخيرا في الكتابة للمسرح كان هدفهم "تحرير الممثل" من التقليد الذي اعتبروه منافرا للاتجاه الفكري العقلي.

هنا محاولة لمقاربة تجارب الأعلام في الهرم العبثي، الذين أسسوا لهذا التيار المسرحي وأثروا على أبي الفنون أولا، وعلى من جاء من بعدهم ثانيا:

صموئيل بيكيت

ولد الكاتب الصامت في إيرلندا سنة 1906، وكتب بالفرنسية كثيرا من أعماله المسرحية المتأخرة، وقد استطاع بيكيت أن يلفت إلى الحركة الجديدة أنظار الأوساط المسرحية العالمية، حينما نشر في عام 1952 روايته الشهيرة “في انتظار جودو”، وفي صميم هذا العمل وعي عميق بأن هذا الكائن الهش السريع الزوال ـ يقصد الإنسان ـ لا يحيط به إلاّ العدم، وبناء على هذا فإن كل مواجهة لهذا العدم أمر لا هدف منه ولا جدوى له، ولذلك كان الرجل مغرما ومولعا بترديد هذه الجملة المنسوبة إلى الفيلسوف “ديموكريتيس” وهي: “ليس هناك شيء أصدق وجودا من العدم”، والتشاؤم واليأس هما الموضوع الرئيس لهذه الفلسفة الصوفية “العدمية”، وهو لا يزال يكرر هذا المفهوم ويردده في رتابة معبّرا به عن هذه الفلسفة التي تبدو كأنها مريض في طور الاحتضار، ونلاحظ أنّ تطور آراء بيكيت وفلسفته تختلف في تطورها عن تلك التي تميز بها زميله في المذهب يوجين يونسكو، فبيكيت يتخذ نقطة البدء في مسرحه من عالم إنساني عادي، ثم ينتهي إلى نهاية آلية نرى فيها شخصيات مسرحه تتحول بالتدريج إلى حالة الضياع.

في مسرحية “في انتظار جودو” نرى اثنين من المتسولين يستثيران الشفقة والعطف وهما فلاديمير وأستراجون، وهما في انتظار شخصية خيالية هو “جودو”، وأخيرا يقرران شنق نفسيهما في حالة عدم وصوله المنتظر.

أما في مسرحيتي “نهاية اللعبة” و”شريط التسجيل الأخير للسيد كراب”، فنحن لا نرى أي اثر للحركة المسرحية، وإنما نرى الشخصيات الأربع وهي تموت في فراغ خال يسبح في ضوء رمادي شاحب. وفي “كراب” نرى رجلا عجوزا ضئيل الجسد وقصير النظر أصمّ وأعرج، لا يربطه بالحياة إلا شريط تسجيل قام بتسجيل بعض أصوات عليه منذ أكثر من ثلاثين عاما.

عام 1964 قدّم بيكيت رائعته “الأيام السعيدة” وفيها يصف لنا أياما من حياة إحدى النساء وهي “ويني”، التي نراها على خشبة المسرح مدفونة في رمال صحراء، لا يظهر منها إلا عنقها ورأسها، والحياة من حولها معرّضة بلا شفقة لأشعة الشمس المحرقة وهي في طور الاحتضار.

وأخيرا في سنة 1963، قدّم بيكيت مسرحية عرضت في مدينة “ألم” بعنوان “مهزلة”، وهي مسرحية نرى فيها أنّ كل ما اصطلح عليه في عرف العمل المسرحي قد اختفى تماما حتى أدنى تفاصيله، ونحن نشاهد على المسرح ثلاثة نعوش تخرج منها ثلاثة أشباح ترتدي أقنعة، وكأنها ميتة تماما، فيما عدا شفاهها التي تتحرك كي تنطق، معبّرة عن يأسها في تكرار ورتابة، وتبدو أصوات هذه الأشباح كأنها نابعة من هوّة سحيقة، والشخصيات الثلاث تتحدث كل في دورها كلاما لا ترابط فيه ولا علاقة بيّنة، بل يبدو كل منها لا يعرف صاحبه ولا يراه، وكل ما هنالك هو أن ومضة من الضوء تلمع من وقت لوقت لكي تسلط على الشخصيات التي يأتي عليها الدّور للكلام.

يتقدم بيكيت دائما، كما يظهر من متابعة مسرحياته، إلى الأمام ولا يعود خطوة واحدة إلى الوراء وهو يمضي قدما حتى يصل إلى قمّة العبث أو اللامعقول، ولكن بعد أن قدّم لنا مثلا بالغ القوة واضح الدلالة على مسرحه هو ذلك العمق الجميل القبيح الخالد الذي لا نظن مسرحية من مسرحيات هذا الاتجاه تصل إلى ذروته، ونعني به “في انتظار جودو” التي تعتبر بوجه عام من أروع مسرحيات القرن العشرين، وهي تدل بقوة على أن بيكيت كاتب مسرحي موهوب، ذو أصالة فنية خلاّقة.

يوجين يونسكو

حينما شهد عدد قليل من المتفرجين في سنة 1950 ممن تجمعوا في بعض مسارح باريس الصغيرة التجريبية روايتي يونسكو “المغنية الصلعاء” و”الدّرس” كان أثر هذين العملين عليهم قويا عميقا، ومنذ تلك اللحظة أحسّوا إحساسا قويا صدق فيما بعد أنهم أمام مؤلف مسرحي يعتبر وريثا للعباقرة الذين سبقوه، من أمثال “فيتراك” و”جاري” و”أبولينير” و”شتاين”. لقد شعر هؤلاء المتفرجون أن هذا الكاتب الجديد، مهما كانت نقطة البدء التي انطلق منها، ومهما كان من سبقوه، فنّان ذو شخصية قوية طاغية.

ولد يونسكو سنة 1912، في رومانيا لأم فرنسية، وفي سنة 1938 أرسل في بعثة إلى باريس لإعداد رسالة للدكتوراه، بدأها ولكنه لم يكملها، ومنذ ذلك الوقت عاش في فرنسا، واعتبر أحد الكتاب الفرنسيين. حياته ككاتب غريبة حقا، فإنّه حتى سنة 1948 لم تكن لديه أي فكرة عن كونه سيصبح من كتاب المسرح العظام، فقد كان كل اهتمامه موجها لدراسة اللغة الإنجليزية، وبدأ فعلا دراسته معتمدا على منهج “أسيميل” المعروف الذي كان يعتبر في ذلك الوقت أحسن مناهج تعليم اللغات للأجانب، وتوفّر يونسكو على هذا العمل في جدّ وإخلاص، وإذا به يكتشف في هذا المنهج الدراسي عالما جديدا عالم “الحقائق الأساسية” كما سمّاه.. لقد اكتشف أن جملا بسيطة مثل “يتألف الأسبوع من سبعة أيام” أو “أرض الغرفة تحت والسقف فوق”، تشتمل على أفكار لم يتأملها أبدا من قبل على أنّها شيء جاد أو كان قد ذهب بها النسيان ثم عادت الآن تظهر له كأنها حقائق مذهلة غريبة، ولكنها حقائق لا يرقى إليها الشّك بحال من الأحوال.

وبالتدريج توفّر ليونسكو وعي بأن الجمل والمحاورات القصيرة التي تستخدم في دروس تعليم اللغات كأمثلة وشواهد قد نصّبت نفسها حقائق ثابتة تصاغ في قوالب ثابتة، وأنها في حدّ ذاتها تعتبر “مسرحا ممتازا”، ولا نلبث أن نرى يونسكو ينسى دراسة اللغة الانجليزية ويقرر أن يكتب مسرحية تعتمد أساسا على تلك الحقائق والمحاورات. ومن هنا أتت مسرحيته الأولى “المغنية الصلعاء” سنة 1942، وهي التي كان يريد أن يضع لها في البدء عنوانا هو “اللغة الإنجليزية بغير مجهود”، أو “درس الإنجليزية”. وفي هذه الرواية نرى شخصياتها تسلك سلوكا آليا، ونرى أن حوارها مصوغ في قوالب أو كليشهات، ولا نرى في المسرحية حركة ولا حبكة، فمسرح يونسكو بصفة عامة ليس في حاجة أصلا إلى حبكة، فهو مسرح في الغالب أشبه بحلقة مفرغة ينتهي إلى حيث بدأ على نحو ما يعرف اصطلاحا بالمسرح الدائري. لقد كان يريد التحرر من من مصطلحات المسرح التقليدي وقواعده، ومن هنا عاد إلى تلك الحلول القديمة التي كانت مستخدمة في بداية حياة المسرح، نعني ما كان لديه من إمكانيات ميثيولوجية وإيمائية. كان يريد أن يحرر اللغة وأن يستبدل الحركة “الطبيعية” أو اللغة في المسرح بالتهريج الذي يشبه ما يقوم به ممثلو السيرك، كان يريد أن يواجه كل عقبة ويقتحم كل صعب لكي يخرج المسرح مما كان قد وصل إليه من جمود وتحجّر.

وكان يونسكو يتخذ مثله الأعلى وقدرته من الفنان ريمون كينو الذي كان قد غاص إلى صميم مسرح العبث من خلال اللغة في كتابه “تمارين على الأسلوب”، ولكن خطواته الأولى على المسرح لم يصاحبها إلا الفشل وخيبة الأمل، وذلك بسبب ما غلب على مسرحه من خلو من المنطق، ثم قدّر لمسرحه كثير من الشّيوع والرواج بعد الروايات التي قدّمها والتي كانت تصطبغ بما يمكن أن يسمّى “الفكاهة السوداء” التي كان يونسكو ينظر من خلاها إلى العالم وهو في عزلته الهادئة المتقطعة من المجتمع. الذي يتأمل مسرح يونسكو يجد أنّه ليس فيه شيء يحدث، كل ما فيه جمل عادية مبتذلة خاوية مؤلفة من قوالب معادة أو شعارات لا يزال يرددها على نحو يثير الأعصاب، وشخصيات الرواية تعرض علينا ألغازا وكأنها تبدو غير مهتمة بإيجاد حلول لها، بل إنّه يبدو كما لو كانت لا تريد أن تقول لنا شيئا على الإطلاق.

العزلة والخوف من الموت والآمال الخالية التي لا يمكن تحقيقها، هي العناصر التي يؤلف منها يونسكو عالمه “اللامعقول”، إنّه باختصار يستغل موهبته الفلسفية وذهنه اللّماح في “التشخيص” والتطهير.

ويقول في بعض ما كتب “إنّه ينبغي أن يكون في المسرحية قدر من العاطفية واللاوعي والقريحة اللّماحة، ولكن على هذه القريحة ألاّ تشعر بشيء من الخوف مما تقدمه إليها اندفاعة الخيال”.

وأتبع يونسكو مسرحيته “المغنية الصلعاء”، بمسرحية بعنوان “الدرس” عام 1951، وهي كذلك تبدأ كما لو كانت درسا من دروس اللغة، كما كتب مسرحية بعنوان “الكراسي” التي تعتبر من أحسن مسرحيات هذا الاتجاه في فصل واحد، ونرى فيها زوجين عجوزين يعيشان في رتابة وملل حتى يقررا في نهاية المسرحية الانتحار بعد إحساسهما العميق بالوحدة وخواء الحياة. وتظهر لأول مرة في مسرحيات يونسكو التالية المؤلفة من ثلاثة فصول شخصية مضحكة تذكرنا بشخصية شارلي شابلن، رجل ضئيل الجسم يدعى “بيرانجييه” وهو الذي سيصبح بطلا لرباعيته المسرحية (قاتل بلا أجر 1959، والخرتيت، والملك يموت 1961، والماشي على الهواء). وفي هذه الروايات المنتمية إلى المرحلة الثانية في حياته، نراه يترك وراء ظهره ذلك اليأس والفراغ الشامل اللذين تميّز بهما مسرحه خلال المرحلة الأولى، فـ”برانجييه” في الروايات الأربع لم يعد مجرّد آلة لا تتغير أو تمثال لا يتحرك، بل هو شخص يتحرك ويتألم ويكافح ضد القوى المفتنة للوجود، بل ويقترح بعض الحلول، غير أنّه يظل نفس الرجل الصغير البريء الذي ترتد إليه الحياة، وإن كانت تحيق به الهزيمة دائما، هو يقدّم رأسه لكي يقطع بيد القاتل بلا أجر، ولكننا نسمعه في رواية “الخرتيت” يطلق صيحته المتذمرة الكاشفة عن مغزى الرواية: “إنني رجل وسأظل حتى النهاية، ولن يفلح معي أي إغراء”، هكذا يبدو التغيير حاسما عند يونسكو في تغيير تركيب الشخصية ورسمها بدقة متناهية.

جان جينيه

من كتاب العبث المهمين غير آرتور آداموف المولود عام 1908، والإسباني فرناندو آرابال، والأميركي إدوارد إلبي الذي كتب مسرحيات خشنة يهاجم فيها الحرب ويسخر منها (ولد إلبي عام 1928، بدأ ميدان مسرح العبث بروايته قصة من قصص الحيوان 1956، ثم أتبعها بمسرحية “الحلم الأميركي” عام 1960، ثم عمله العالمي بعنوان من “يخاف من فرجينيا وولف”، ونلاحظ فيها تأثره البالغ بالأميركي تينسي وليامز والسويدي سترندبيرغ).. إلى جانب هؤلاء هناك كاتب متفرد هو جان جينيه المولود في باريس عام 1910 لوالدين مجهولين، وبدأ حياة بوهيمية شاذة تقلّب فيها بين المتاجرة بالسوق السوداء وأحياء المدينة المشبوهة، ولم يشرع في الكتابة لأول مرة إلا وهو مستقر في زنزانة أحد السجون في سنة 1940. وفي عام 1947 قدّم مسرحيته “حراسة عليا”، ولم يلبث بعد ذلك بمعونة وتأييد من الكاتبين جان كوكتو وجان بول سارتر أن يعتبر من مسرحيي الطليعة في فرنسا، ويقوم المخرج الكبير جوفييه بإخراج رواية له تدور حول عواطف شاذة تحت عنوان “الخادمات” في سنة 1942. وتدور الرواية حول أختين هما سولاج وكلير، وهما خادمتان تكرهان سيدتهما وتحاولان أن تغتالاها، ولكنهما بعد أن فشلتا مرتين في ذلك تقرران أن تقتل كل منهما الأخرى، وأخيرا تموت إحداهما، وتبقى الثانية، وتتحول حياتها وتغتني وتحاول أن تتعلم الآداب العامة وكيفية الحديث في المجتمعات الراقية حتى تصبح جديرة بها.

سولانج وكلير الذين رسمهما جينيه بعناية بالغة هما نموذجان بشريان خالدان، وحينما تخلوان إلى نفسيهما فإنهما تقومان بدورين زائفين، فكلير مثلا تصطنع شخصية سيدتها، بينما تتقمص سولانج شخصية كلير، وقد قصد المؤلف من هذا الانتحال لشخصيات زائفة أن يبيّن أن الإنسان لا يودّ أبدا أن يكون كما خلق فعلا، فسولانج إذا أرادت أن تكون خادمة عن طوع واختيار، فإنها لا تحتفظ بشخصيتها وإنما ينبغي أن تتقمص شخصية أختها كلير، وهنا يكمن هدف المؤلف الذي سعى من خلال ذلك إلى تعزيز قيمة “فن التشخيص” في المسرحية، وأن الممثل إذا أراد أن يكون ممثلا حقيقيا عليه أن يمسّ دوره بطريقة زائفة، لا أن يتقمصه على طريقة ستانسلافسكي والمسرح التقليدي، وكان جينيه يريد أن يكون كل شيء زائفا مناقضا للحقيقة، ملقيا في روع المتفرج مشاعر زائفة ليحقق حالة الانفصال النقدية لدى الجمهور وهي طريقة أثيرة لدى الألماني برتولد بريخت.

هذه الناحية هي المفتاح الأساسي لحل لغز مسرحيات جينيه وطريقته في الكتابة والتعبير. وقد كان يعتبر الكتابة للمسرح لونا من ألوان طقوس العبادة، وشيئا أشبه بالأحلام، يحلّ فيه اللامعقول محل الحقيقة، كأنّه الصورة الوهمية التي يراها المرء منعكسة على صفحة مرآة. فيما تمتد أصول المفهوم المسرحي عند هذا الكاتب إلى اللامعقول كما أوضحنا سابقا، كما تمتد أيضا إلى مسرح القسوة الذي ابتدعه الكاتب الفرنسي الشهير أنطونين آرتو صاحب كتاب “المسرح وشبيهه” ونشره عام 1938، وإن كانت لجينيه شخصيته المتميزة وأسلوبه المتفرد. لقد كان يسعى إلى أن يتحول المسرح إلى شيء أشبه بمعبد تقام فيه طقوس، ولهذا فقد أثرى مسرحه بطائفة من الرموز والإشارات إلى بعض العادات الغريبة، وكان مؤمنا بالوساطة الروحية، ومن أجل هذا تراه يعود مرّة إلى أصول المسرحية البدائية التي كانت يوما طقسا دينيا، ويعرض على خشبة المسرح انفعالات الروح وما تنطوي عليه النفس الإنسانية من نزعات متشابكة إلى الجريمة والى القدسية في وقت واحد. إنها مسرحية المتناقضات التي لم يقدمها بذلك الجمال والروعة سوى جان جينيه الذي كان دائما يبدي إعجابه الشديد بالمسرح الشرقي القديم، ومن آرائه أن جميع المؤلفين الغربيين الذين استطاعوا أن يأتوا بشيء جديد في المسرح الغربي، إنما كانوا يستلهمون المسرح الشرقي الذي هو مسرح ديني يقوم على الطّقوس قبل كل شيء، وهو من هذه الناحية يقف على النقيض من المسرح الغربي الذي وصفه جينيه بأنه مسرح “أقنعة”.

المسرح الطليعي الإنجليزي

خلال هذه الفترة تقريبا أي في حدود الخمسينيات، ظهر جيل مسرحي في إنجلترا عرف باسم “الشباب الغاضبين” وعلى رأسهم الكاتب جون أوزبورن الذي يمثل رد فعل ضد محاولات الناقد الانجليزي الشهير تي. إس. إليوت لإحياء المسرحية الشعرية، وكان من مظاهر هذه المحاولات بعض روايات ألّفها هذا الشاعر ذات طابع غنائي ديني، وكذلك ضد كريستوفر فراي ذي الأسلوب الشعري الذي تشيع فيه مسحة الفكاهة الرقيقة، وإزاء هذا الاتجاه الشعري، عاد هذا الجيل الغاضب الساخط إلى الصراخ بأصوات متنافرة تقف على طرف نقيض مع الشعر، وكانوا يتميزون بعدائهم لعصرهم ونقمتهم عليه دون أن يكون معنى ذلك أنهم انتهجوا مذهبا سياسيا معينا، وهم ينتمون بالطبع إلى اليسار، بينما كان ممثلو المسرح الشعري يمينيين أو ذوي ميول يمينية، والمنتمون إلى هذا الجيل الجديد الساخط المتذمر لم يكونوا خريجي أوكسفورد وكامبريدج، وإنما من أفراد الطبقة الوسطى، أما اسمهم “الشباب الغاضبون”، فقد اشتق من عنوان مسرحية جون أوزبورن بعنوان “انطر إلى الوراء في غضب” سنة 1956، حيث نرى بطل المسرحية “جيمي بورتر” وهي شخصية متعددة الجوانب، لا يكفّ عن الصياح مبديا سخطه لأنّه يؤمن بأنه ليس في وسع أحد أن يقوم بشيء، ويكتب أوزبورن الذي بدأ حياته ممثلا في مقدمة هذه المسرحية: “إننا غاضبون ساخطون لأننا نودّ أن تكون لنا مساهمة في الحياة، ولكنّا لا نجد من حولنا إلاّ تجاهلا وانصرافا عن كل تعاون، نحن نرى سلبية متحذلقة متعالمة، وما دام هناك اتجاه عام للتهرب من كل شيء، فإنه لا يهمنا أن نضطر بعض مشاهدي هذا اللون المسرحي الذي نقدّمه إلى “الهرب” من قاعة المسرح في ضجيج واحتجاج”.

في عام 1961 يعود أوزبورن بمسرحيته “لوثر”، التي تذكرنا على الفور بإحدى روايات وأسلوب برتولد بريخت، ليصبح أوزبورن فيما بعد واحدا من اهم معالم المسرح الطليعي الانجليزي المعاصر.

هناك كاتب آخر من أولئك الشباب الغاضبين هو بريندان بيهان (1922 ـ 1964) من أصل إيرلندي، وقد ذاع صيته في الأوساط المسرحية الأوروبية بفضل محاولاته الهوميرية وحياته الصاخبة العاصفة أكثر مما عرف بإنتاجه المسرحي، ويمتاز مسرحه بالصور العنيفة التي تمثل لنا قسوة الحياة، كما في مسرحيتيه “الزميل” 1954، و”الرهينة” 1958. لكن في أواخر العقد السادس من القرن الماضي، كان الضوء قد انحسر بعض الشيء عن هذا الجيل الغاضب، وحلّ محلهم جيل جديد آخر من الكتاب على رأسهم جون ليتلهود ممن لمعت أسماؤهم في مسرحي “ثياترو ركشوب” ومسرح “الرويال كورت”. من هنا نجد أنفسنا أمام مرحلة ممهدة لمسرح العبث أو اللامعقول، فإذا كان المسرح الشعري الانجليزي يقدّم لنا تفسيرا غنائيا للعالم، وإذا كان جيل الغاضبين قد قدّم لنا رد فعل لهذا الاتجاه نابعا من الطبقة الوسطى، فإن الدور في هذه المرحلة يأتي على مؤلفين من الطبقة العاملة ومن أول مؤلفي هذه المرحلة أرنولد ووسكر من لندن، وكان قبل ذلك قد مارس مهنا متعددة من النجارة إلى العمل في مصنع للفطائر والحلوى، وقد بدأ أثر هذه المهن في مسرحه، فنحن نراه يقدم لنا رواية من فصل واحد بعنوان “المطبخ” مشتقة بصفة مباشرة من المرحلة الأولى التي كان يعمل خلالها في مطعم، وفي سنة 1962 قدم مسرحية بعنوان “شرائح مع كل شيء” وبها نال هو والمسرح اليساري بصفة عامة نجاحا كبيرا. في ذات الوقت تقريبا تبرز في عالم المسرح الطليعي شخصية فتاة صغيرة، تعمل “محصلة نقود” في إحدى حافلات النقل العام وتدعى شيلا ديلاني ولدت عام 1929، وقد استطاعت أن تبهر جمهور لندن بروايتها “طعم العسل” عام 1956، وهي لم تتجاوز سبع عشرة سنة. وعلى الرغم مما تنضح به مسرحيات هذه الكاتبة من أجواء منفّرة، فإنها تكشف عن كاتبة لا ينقصها عنصر الفكاهة ولا ومضات عابرة من التفاؤل.

وبين يوم وليلة لمع نجم الكاتب هارولد بنتر المولود عام 1930، وهو يعتبر ممن تتعلق بهم آمال المسرح الجديد، وقد اتخذ بنتر قدوته من صموئيل بيكيت، بينما وقف موقفا من المعارضة الكاملة لمواطنه أرنولد ووسكر، وقد اعتبر بنتر بعد سنوات من الإنجازات زعيم مسرح العبث في إنجلترا، ولكن شخصيات مسرحه ـ أو مخلوقات هذا المسرح بتعبير أدق ـ لا تخلو من بعض اللمسات الواقعية، وأهم ما يميز مسرحه هو خلوه من الحركة أو العمل الخارجي وامتلاؤه بالحركات الإيمائية التي تذكرنا بالحركات التهريجية التي أشتهر بها شارلي شابلن، أمّا لغته فهي في غاية قوة التعبير، فقد نجح في تحويل اللغة الدارجة التي تتحدث بها الطبقات الدنيا إلى لغة ذات قيم موسيقية رائعة، كما أنه من الكتاب الذين لا يقتنعون بأن هناك فرقا مهما بين المأساة والمهزلة وكثيرا ما كان يقطع الموقف المأساوي إذا رأى تياره في تصاعد يوحي بكون المسرحية من ذلك الطراز التقليدي المتعارف عليه.

لقد ذاع صيت بنتر بفضل مسرحياته الأخيرة وهي “الحارس” 1960، و”المجموعة” 1961، و”العودة إلى المنزل” 1965، بما يشيع فيها من روح فكاهية تسيطر على النفس كأنها كابوس، وبلغ من شهرة هذا المسرحي في أوروبا إلى حد أنه يمكن أن يعتبر أكثر مؤلفي المسرح نصيبا من إقبال الجمهور على أعماله.

وإذا أردنا أن نلخص الخصائص التي يمتاز بها مسرح الطليعة الانجليزي بصفة عامة، فإنه بوسعنا أن نقول إن من أولها الحساسية اللغوية الفائقة، فنقطة البدء لدى هؤلاء المؤلفين هي اللغة وإمكانياتها في درجات الإيقاع الصوتي، وكلهم تقريبا يتمتعون بحاسة موسيقية مرهفة تدرك أهمية التعبير اللغوي وألوانه سواء في اللغة القويمة أو في الاستعمالات الدارجة، وهم يعرفون كيف يستثيرون الضحك من الطريقة التي يستخدمون بها الألفاظ ويجرون النطق بها أكثر مما تحمله هذه الألفاظ من معان، فاللغة عندهم هي التي تخلق المسرحية، وهم بذلك وبتلقائيتهم يجتمعون مع كتاب العبث في مركب واحدة، وفي النهاية السؤال الملحّ يطرح نفسه: هل انحسرت نجومية هذا المسرح اليوم؟ والجواب: لا نعتقد ذلك، فالعبث والجنون ما زالا يسيطران على حياة الإنسان المعاصر!

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف