• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ماذا تبقى لديك؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 07 ديسمبر 2015

يُعزى إلى رجل الدولة الألماني بسمارك قول مؤداه: إن السياسة هي فن الممكن. وعملياً يمكننا التوسع في نطاق تطبيق هذه المقولة ذات المغزى ليشمل التخطيط. فالتخطيط بدوره يجب أن يُبنى على ما هو متاح لك؛ أي أن ترسم خطتك على أساس ما قد تبقى لديك. وعليه يجوز أن يسمى ذلك بـ «التخطيط المبني على المتبقي». فالناس، عندما ينبرون لرسم خطة أو مسار عمل، طالما تستحوذ عليهم فكرة «الشمولية»؛ حيث يريدون امتلاك الأشياء كلها على نحو شمولي وبالتالي لا يرضون بتقبل إنجاز أهدافهم بشكل جزئي.

بيد أن التفكير في هذا الاتجاه (الشمولي) يتعارض وقانون الطبيعة. فالوصفة الواقعية في هذا الصدد تتلخص في أنه إذا كان «الكل» لا يمكن تحقيقه، فينبغي أن يقتنع المرء بتحقيق الجزء الممكن. هناك دول عديدة في مختلف أنحاء العالم كانت حريصةً على تحقيق أشياء بهذه النظرة الشمولية ولكنها فشلت في تجسيد طموحاتها رغم كفاح دام عشرات بل مئات السنين. ويصدق عليها مثل هندي يقول: «من يجري وراء «الكل» متخلياً عن «النصف» الذي بين يديه؛ فإنه سيعود وقد خسر «النصف» و«الكل معاً».

ولهذا السبب، فبالرغم من إطلاق مبادرات عملاقة وبحماس كبير مُنيتْ هذه الدول والشعوب ذات التوجه الشمولي في نهاية المطاف بالفشل الذريع.. فلا هي تمكنت من تحقيق ما طمحتْ إليه ولا من الاحتفاظ بما كانت تمتلكه بالفعل.

وثمة نموذج معاكس لهذا التوجه الفاشل يتمثل في إنجازات كل من اليابان وألمانيا. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، خسر كلا البلدين مساحات من الأراضي التي كان يمتلكها قبل نشوب الحرب. لقد خسرت ألمانيا للاتحاد السوفييتي الجزء الشرقي من البلاد، بما في ذلك جزء من برلين. وأما اليابان فاضطرتْ إلى تسليم جزر أوكيناوا إلى الولايات المتحدة.

غير أن كلا البلدين قد وضع جانباً ما خسر في الحرب كخطو ة أولى للتخطيط للتنمية الاقتصادية المستقبلية.. وكانت النتيجة خارقة: حيث برزت ألمانيا، برئاسة كونراد أدينارو، المستشار الأول لما بعد الحرب، كقائد صناعي للقارة الأوروبية.

وعلى المنوال نفسه ، نهضت اليابان، في ظل قيادة الامبراطور هيروهيتو، لتصبح القوة الاقتصادية العظمى في قارة آسيا. هذه «الأعجوبة» هي ثمرة التخطيط المبني على المتاح أو الجزء المتبقي من «الكل»؛ وهو مختلف تماماً عن التخطيط الشمولي الذي يستتبع السعي وراء إحراز شتات «كل» فائت دون جدوى. إن أفضل وصفة للحياة هي أن تبادر، من خلال تخطيط حكيم، لاستغلال ما هو لا يزال موجودًا أمامك بدلاً من القلق أو التحسر على ما فاتك. وبذلك ستتألق، على المدى القريب أو البعيد.

ترجمة :

أبو صالح أنيس الندوي - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا