• الجمعة 22 ربيع الآخر 1438هـ - 20 يناير 2017م

أين الأدب؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 06 ديسمبر 2015

في زمن كثرت فيه المظاهر وحب الظهور ولو على حساب الكلمة والأدب، أصبح معظم ما يُقدم باهت الملامح. ولا أعلم من أين يأتي بعض الكتّاب بالقوة والجرأة حتى يحكموا على أعمالهم بالنجاح الباهر في أوّل ظهور أدبي لهم، وكيف تنفد كمية بعض الإصدارات الحديثة لكتّاب حديثي السن والعهد بالكتابة في غضون أيام قليلة، ليقوموا بكل ثقة «وقوة عين» بالإعلان عن إصدار الطبعة الثانية بهذه السرعة الخارقة وأمام الملأ؟ ليقعوا في شرك ما صنعت أيديهم في محاولة بائسة للترويج لكتبهم، والتي لن تنطلي على القارئ الذكي والمحترف، من أين أتى فوج القرّاء هذا، ليجهز على هذه الكمية في وقت قصير جداً لكاتب حديث المولد والولادة الأدبية، على الرغم من أننا أمة لا تقرأ؟

هل أصبح هَمْ الكاتب هو التحرش بالفلاشات والأضواء وموضة حفلات التوقيع واللهاث خلف مواقع التواصل الاجتماعي للشهرة ومن باب «الجمهور عاوز كده».

أصبحنا نسمع عن أسماء جديدة وكثيرة في عالم الأدب، لا نعرف سوى صورهم المنتشرة بجانب كتبهم المزركشة بأسمائهم وعناوين جذّابة على مواقع التواصل الاجتماعي والجرائد والتلفاز، دون أن نعرف مضمون ما كتبوا وما التغيير الذي أحدثوه على مستوى القارئ، هل الكتابة موجة كباقي الموجات التي تظهر بين الحين والآخر في بحر الإعلام؟ وهل على الجميع حمل الألواح استعداداً لركوب متن الموجة كلاعبي «الركمجة» المنتشرين على شواطئ البحر؟

من حق الكاتب أن يسعد بإصداره الجديد ويُبلغ القاصي والداني، فهو بمثابة المولود الذي طال انتظاره، لكن المبالغة دائماً تُفقد المواضيع مصداقيتها وجمالها وتقلب الموازين رأساً على عقب.

«زمان» كان الكاتب ذا روح أصيلة، فارساً يحمـل قلماً عن ألف سيف وألف بندقية، هو من ينشر المعرفة والحقيقة في زمن يخشى فيه العالم الحقيقة، هو من يرسم الضحكة بكتاباته على شفاه كادت ألا تنسى معنى البسمة من قسوة الحياة وغطرسة الحرمان والفقد، وهو من يجبر الدموع على غسل القلوب المتحـــجرة التي عصت أصحابها لسنين طويلة.

كثيراً ما أضع نصب عيني مقولة لـ«سوفوكليس» أحد أعظم الكتّاب الإغريقيين «إن العمل النبيل في حد ذاته مكافأة»، ذلك أن الأعمال الجديرة بالاحترام تفرض نفسها على الساحة وهي تكافئ أصحابهـا ولو بعد حين، دون الحاجة إلى الإسراف بالدعايات الصارخة والظهور المبالــغ فيه، فكم من أُدباء وشعراء اشــتهروا بعد موتهم وأقبل الناس علـى كتبـــهم، وكم من كتب نُشرت ولم يلتفت لها أحد، لتنال بعد سنوات جوائز عالمية ويُخلّد أصحابها في التاريخ.

من المخيف أن ينشأ جيل جديد في ظل هذه الدعايات والترهات، فيصبح ذلك نهجاً وطريقاً يتتبعونه في كل شيء، حتى في أدبهم، غير مدركين فداحة ما يرتكبونه في حق غيرهم وأنفسهم، وكم أخشى أن يأتي يوم ونقول للأدب «ده كان زمان».

أحمد سالم الغافري - العين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا