• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

هالة البدري·· قدرة على تجسيد الحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 30 أبريل 2007

د. صلاح فضل:

مبدعة مصرية تمارس الكتابة الروائية والقصصية بإتقان ودأب منذ عقدين من الزمان، تتميز بإيقاعها الهادئ ونبرتها الأنثوية الناضجة، لم تنجرف في تيار الكتابة الاستعراضية، مع أنها تربت في حضن الصحافة، بل آثرت أن تعزل تماماً منطقة الإبداع الحميم عن ضوضاء الحياة العامة، محافظة على وعيها الشفيف ببواطن الأحداث وأسرارها النفسية الخفية. أدرت عبر قرابة عشرين سنة أربع روايات طويلة، كل منها اعتبرها القراء حدثاً أدبياً هامّاً، وثلاث مجموعات قصصية، آخرها ''قصر النملة'' الذي نتعرض له اليوم، وهو كما يلاحظ القارئ تكوين عجيب، يعبّر عن عوالم الكُتّاب وقدرتهم المدهشة على تمثيل الكون وتجسيد الحياة في أصغر الأمكنة.

وهو عنوان القصة الأولى من المجموعة؛ حيث تروي هالة البدري بسلاسة ممتعة قصة لقاء إحدى الكاتبات بعدد من زملائها وزميلاتها على هامش مؤتمر أدبي أقيم في الشمال الأفريقي، حيث خلوا إلى أنفسهم في أحد المقاهي ذات الواجهات الزجاجية العريضة على الطريقة الفرنسية، وهي تذكر الأسماء الأولى لهؤلاء الكتاب من شعراء وروائيين، فنكاد نتعرف عليهم في الحقيقة، ثم تذكر بعض ما يحلو لهم من ألوان النميمة والتأمل والتعليقات الساخرة والمتشابكة، تتجلى من خلالها عوالمهم التي تختزل في أبسط الكلمات مشكلات مجتمعاتهم الحضارية والسياسية، قبل أن تركز منظورها على أنثى بائسة وطريفة، راصدة حركتها في الشجار والغواية، اللافت في هذه القصة هو نوع الخيال الذي توظفه هالة البدري في المجموعة كلها، وهو خيال مشاكل للواقع، ينطلق من فتاته المبثوث في المواقف والحالات الصغيرة ليعجن نموذجاً ساخناً شديد التمثيل لجوهر هذا الواقع؛ إن لم يكن قد حدث بالفعل فهو على وشك أن يحدث الآن لفرط صدقه وشفافيته.

قصة أخرى في المجموعة بعنوان ''فطام'' تجسد ببلاغة سردية فائقة هذه الخاصية المشاكلة للواقع في أعمال هالة البدري، تحكي فيها الأم وقائع رحلة قامت بها إلى مدينة أسيوط إبّان المدّ الإرهابي البغيض، لتسكين ابنها المقبول لمجموعه في كلية الطب هناك في مقرّه الجديد بعيداً عن حضنها، وإشفاقها عليه من تبعات الغربة والتوجس والاستغلال.

تقول الكاتبة راصدةً ذبذبات العلاقة الحساسة بين الأم المثقفة وغلامها اليافع: ''باعدت أيام صباه بيننا، انشغل بأصدقائه والمدرسة والنادي، ورفض بشدة الاستماع إلى كلماتي، اعتبرها نصائح لا طائل منها. كان يريد الانسلاخ بسرعة أكبر مما تحتمل سنوات عمره. تركته يعاني آلام النمو وأنا أراقبه من بعيد حتى لا يشعر بثقل الأمومة عليه، قبضت على كفه ونحن نسير، فتركها على غير العادة، كان قبل اليوم يسحبها سريعاً وينظر نحوي بعينين غاضبتين قائلا: أنا كبرت. كنت أدفعه إلى الأمام وأقول ضاحكة: أنت الآن رجل، أعرف. لم تكن مواقفه هذه أكثر من طفولة جميلة، ومحاولة نمو زاعقة، لكنها الآن تستكين في سلام ودفء. دفعني إلى الضغط عليها بقوة. منعت رغبتي في ضمه حتى لا أفسد إحساسه اللحظي وأنبهه'' ولا أحسب أن الآباء بوسعهم أن يرصدوا مثل هذه الذبذبات في علاقتهم بأبنائهم؛ أويحسبوها جديرة بالرصد، لأن الأمومة تنبثق من سطورها برهافة مشعة ناعمة.

حميمية المرأة

كل القصص في المجموعة مرصودة بضمير المتكلمة، مما يثير حساسية خاصة لدى القراء غير المدربين على التلقّي الأدبي، إذ يمزجون بتلقائية بين الكاتبة وروايات القصص، الأمر الذي يتطلب حكمة شديدة في الكشف عن بواطن المرأة والتعبير الصريح عن منظورها للحياة ونكهة أحداثها في فمها دون استفزاز، لكن الكاتبة تزهو- فيما ترسمه من لحظات دافئة وخواطر جريئة- بأنها تعرف كيف تصد الرجال المقتربين منها بحنكة وذكاء، عرفت أيضاً كيف تصرف قارئها عن وهم الخلط بينها وبين راوياتها في القصص المختلفة، دون إثبات أونفي لذلك. بل تعمد إلى شحن تشكيلاتها الفنية بطاقة هائلة من التحنان والحميمية، تحملك على التعاطف معها، والفهم المتبصّر لما قد يعتبر شططاً من غيرها، اعتماداً على تأمل ما في الحياة من مفارقات وتحولات. وهذا هو مناط القوة والجمال في إبداعها السردي، إنها تحكي، في لحظات متفاوتة في الطول والقصر؛ في الكثافة والرهافة، تحولات المرأة الباطنية، محتفظة دائماً بدرجة الحرارة الملائمة لتخليق كياناتها المتخيلة، فهي- على حد تعبير إحدى رواياتها في هذه المجموعة- ''قادرة على تحويل أي مكان إلى رحم'' أي جعله منطلقاً لبث الروح في الأجساد الهشة، طبقاً لقوانين الحياة التي نعرفها.