• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الأعمال الإرهابية جرائم بشعة تحت لافتات سياسية أو دينية.. وكل الإرهابيين ولا أستثني منهم أحداً لديهم سجلات إجرامية نكراء

إذا غلبت الأهواء.. غربت الكلمة السواء!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 ديسمبر 2015

تتبدل اللافتات والإرهاب واحد وتتكاثر الجماعات والتنظيمات والشر واحد.. لم يغب الإرهاب يوماً واحداً عن العالم لكن اللافتات التي يعمل تحتها هي التي تتبدل.. ولم يتوحد العالم يوماً واحداً في تعريفه أو مواجهته للإرهاب. وهذا الإرهاب لم يصنع نفسه ولم يكن نبتاً شيطانياً.. ولم يكن يوماً وليد التبريرات الخائبة التي تساق كل لحظة حول أن فساد النظام التعليمي أو غياب دور الأسرة أو تقاعس المؤسسات الدينية أو انتشار الخطاب الديني المتشدد.. كل هذه هي أسباب شيوع الإرهاب.. فنحن جميعاً أبناء النظام التعليمي لكن منّا من هو إرهابي ومنّا من هو متسامح ومعتدل ومستنير. وهناك أبناء أسرة واحدة، منهم الإرهابي ومنهم المستقيم والصالح. ولو أن السبب تخلف عن جانب من الظاهرة وحضر في جانب آخر منها ما كان سبباً صالحاً لتفسيرها. فإذا كان النظام التعليمي سبباً للإرهاب فلماذا لم يكن سبباً لإرهاب جميع خريجيه؟ لا سبب للإرهاب سوى أنه شذوذ أخلاقي وفكري. أو هو إعاقة فكرية ووجدانية أخطر من الإعاقة الجسدية. لذلك يتباين أفراد أسرة واحدة. فمنهم المعاق ومنهم السوي. وقناعات وآراء أي شخص هي نتاج تفاعل كيميائي بين فكرة قادمة إليه من الخارج وتركيبته العقلية والوجدانية السوية أو المعاقة. واختلاف القناعات والآراء حول فكرة واحدة ناتج عن تفاعل الفكرة مع تركيبة كل منا النفسية والعقلية والوجدانية. وهكذا أيضاً يكون اختلاف التفاسير والتأويلات للنصوص الدينية والوضعية فالنص الواحد يتفاعل تفاعلات مختلفة مع تركيبة كل منا. واختلاف الأذواق والقناعات والآراء بين البشر إنما هو نتاج اختلاف تفاعلات النصوص والأفكار والنظريات مع تركيبة كل منّا.. لذلك قيل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرى الشيء بما يريده هو لا بما الشيء عليه. بمعنى أنني لا أرى حقيقة الشيء ولكني أرى ما أحب أن يكون حقيقة هذا الشيء.. وهذا هو ما يقول عنه الإسلام: الهوى.. ولكل منا هواه وكل منا يغني على ليلاه.. وكل منا يقول: إياك أعني فاسمعي يا جارة.

وفي ظل سيادة الأهواء تختفي الحقائق تماماً. والأعمال الإرهابية ليست سوى سلوكيات إجرامية وجدت طريقها إلى الشرعنة. فالناس جميعاً بكل أهوائهم ومللهم ونحلهم يتقززون من جرائم القتل والاغتصاب والسرقة وقطع الطرق والنصب والاحتيال.. لكنهم سوف يختلفون بين مؤيد ومستنكر ومتعاطف ومنكر إذا تمت شرعنة هذه الجرائم سياسياً أو دينياً.. والأعمال الإرهابية جرائم بشعة تحت لافتات سياسية أو دينية.. وكل الإرهابيين ولا أستثني منهم أحداً لديهم سجلات إجرامية نكراء ومقززة وتاريخ دموي حافل تحت لافتات كثيرة فمنهم من كان قاطع طريق ومنهم من كان قاتلاً بالأجر، ومنهم من كان لصاً محترفاً.. ومنهم من يسمونهم في مصر البلطجية ويسمونهم في الشام الشبيحة، ومنهم من له سجل وتاريخ في تجارة المخدرات والسلاح وتجارة البشر والرقيق الأبيض والدعارة.

وهؤلاء جميعاً كانوا منبوذين ومطاردين رسمياً وشعبياً وكانوا من قادة وزعماء علب الليل وأوكار النهار.. ومنهم من أمضى في السجون أضعاف ما أمضاه خارجها مداناً بجرائم أخلاقية وجنائية حقيرة.. ومنهم من تقلب بين المذاهب السياسية والدينية المتضادة التي تتيح له ممارسة عدوانيته وتعطشه للدم والقتل والدمار. فهناك من قتل تحت لافتة شيوعية ثم تحول إلى القتل والتدمير تحت لافتة إسلامية. ولا عجب أن معظم المنتمين إلى تيار ما يسمى الإسلام السياسي الآن هم شيوعيون وقوميون سابقون. وهذا ليس تحولاً فكرياً، بل هو تحول مادي دموي. بمعنى أن اللافتة تتغير لكن الفعل واحد. وهو القتل وسفك الدماء. كما أن الملاءة المالية لدى الإسلام السياسي أصبحت أكبر منها لدى الشيوعيين، الذين جفت تماماً منابع تمويلهم بينما انفتحت على مصاريعها منابع تمويل الإرهاب تحت لافتة الإسلام.

من كان فدائياً بالأمس تحت راية القومية واليسارية والتقدمية والشيوعية صار مجاهداً واستشهادياً تحت راية الإسلام.. والنضال والكفاح والثورة حتى النصر تحولت إلى الجهاد والزفاف إلى الجنة.. وفي كل الأحوال لا علاقة للأمر بالعقيدة الدينية أو العقيدة السياسية ولكن علاقته الوثيقة هي بالسلوك الإجرامي المتأصل في هؤلاء المعاقين والشاذين، لذلك لا يحتاج المجرم العتيد في الإجرام إلى غسيل مخ أو إقناع ليتحول من القتل تحت راية أو لافتة ما إلى القتل تحت لافتة أخرى مناقضة. هناك مثلاً قاتل بالأجر طلب منه أن يقتل شخصاً ما، ثم طلب منه أن يقتل من استأجره لقتل الأول، هل سيتردد لحظة؟ هل سيتطلب ذلك جلسات غسيل مخ أو محاولات صعبة للإقناع؟ القاتل يعمل لحساب من يدفع أكثر – وحرفته ومهنته ومصدر قوته ورزقه القتل.. ولا تعنيه اللافتة التي يقتل تحتها.

وعندي دليل آخر على ما أقول وهو أنك لو استعرضت خريطة الجرائم الجنائية في العالم العربي بالتحديد وهو الفرع الرئيسي لمصنع الإرهاب الدولي فستجد انحساراً كبيراً وتراجعاً ملحوظاً وواضحاً في جرائم القتل والاغتصاب وقطع الطرق والسرقات بالإكراه والسطو المسلح.. لماذا؟.. لأن اللصوص والقتلة والنصابين والمغتصبين والمنحرفين وجدوا ضالتهم في الانخراط بجيش الإرهاب تحت لافتة الإسلام، وصاروا يرتكبون جرائمهم السابقة بمباركة كثير من عامة الناس.. نفس جرائم القتل والسرقة والخطف والسطو والحرابة لكنها الآن مشرعنة ومتدينة وإسلامية.. والآن أيضاً.. مرتكبوها جهاديون بدلاً من وصفهم بالمجرمين.. والجرائم التي لم نكن نختلف على بشاعتها وقذارتها وخستها هي نفسها التي نختلف عليها الآن، منّا من يباركها ومنّا من يدينها.. فقد غلبت الأهواء.. فغربت الكلمة السواء!!

*محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا