• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

دوت كوم - عادل علي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 27 أبريل 2007

"العبيط أهوه"

أشك أن كثيرين قد سمعوا بعبارة ''عصلج''، أو أنهم فهموا معناها إن سمعوا بها، أو أنهم أدركوا دلالاتها إذا ما اقترنت تلك العبارة مع كلمة كومبيوتر. ولا أميز نفسي عن تلك الكثرة ''الجاهلة'' بمعنى عبارة ''عصلج'' ـ وهي بالمناسبة فعل وليست اسما ـ لكنني بحثت وتمحصت حتى تيقنت من أنها تنطوي على دلالات العبارات التالية: الحرن، الغباء، العناد، الهبل، العبط... فلكم أن تتخيلوا عندما تصبح تلك الصفات هي مواصفات كومبيوتركم الشخصي، فلا تملكون وصفا لتلك الحالة غير ''عصلج الكومبيوتر''.

وعندما ''يعصلج'' الكومبيوتر يا سادة، فإنه لا ينفع معه لا طبيب مداويا، ولا باشمهندس، ولا تعويذة الست تفيدة. يصبح ''عبيطا'' بكل معنى للكلمة، لا يستجيب لمفتاح الأوامر، ولا ينضبط مع مفتاح النواهي، لا يكتب ولا يمحو، لا يتذكر ولا يستوعب... فتقف أمامه حانقا غاضبا تريد أن تستخدم خبرات لاعبي كرة القدم الدوليين مع هذا الجهاز الذي يصبح رأسه ''كالجزمة القديمة'' أكرمكم الله.

وتذكرني حالة ''عبط الكومبيوتر'' هذه مع الحالة التي يطلق عليها أطباء النفس تسمية ''سذاجة العلماء''. وقد أكرمني الحظ مرة، بمرافقة عالم جليل لمدة أسبوع في إحدى العواصم الأوروبية. كان البروفيسور علامة في اختصاصه، لا يشق له غبار ولا يهتز له باع. تعتبر كتبه مراجع للباحثين، وتصنف أبحاثه فتوحا علمية. قضى عمره بين أمهات المراجع يقرأ ويكتب، وأمام أجيال من الطلبة يشرح ويفسر. لم يزر من البلاد إلا ما اقتضاه طلبه للمعرفة. في ذلك الأسبوع الشائق والشائك، اكتشفت أنني أمام طفل كبير، تسكنه دهشة الأشياء الجديدة وتغمره سذاجة الخروج من إطار معارفه الأكاديمية. كان عليّ أن أشرح وأعيد، أنظمة السير، وسلوكيات المارة، وعادات الباعة، ودلالات اللوحات الإعلانية، وقبل هذا وذاك ''خيوط الموضة'' المعاصرة بمعناها الشوارعي في أوروبا.

ما يجري مع كومبيوتري عندما ''يعصلج'' هو شيء قريب مما جرى مع ذلك العالم الجليل. تسقط عند ذلك كل قواعد التعامل العلمية والتقنية مع هذا الكائن التكنولوجي. تحتار ماذا تفعل، إلى أن تأتيك نصيحة من خبر الحياة وعارك الدنيا بأنظمتها ـ التكنولوجية طبعا وليس السياسية ـ وهي أن تقطع عن الكومبيوتر وسائل الحياة، أي مصادر الطاقة، فتمتد يدك إلى مقبس الكهرباء تشله، وأنت تتخيل عشرات الأطفال في شارعك يجرون وراء كومبيوترك وهم يهتفون ''العبيط أهوه... العبيط أهوه''، قبل أن يستعيد الحياة بإعادة الكهرباء إليه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال