• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

حرائق «الدواعش» في مختبرات المفكرين والساسة الفرنسيين

تطرف التكفيريين.. وقود العنصريين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 ديسمبر 2015

منذ ربع قرن وأنا أقولها بالفم الملآن: المشكلة الأصولية ستكون المشكلة رقم واحد للقرن الحادي والعشرين. كل كتبي المتلاحقة تشهد على ذلك: بدءاً من كتاب «مدخل إلى التنوير الأوروبي» وانتهاء «بالانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ» مرورا «بالانسداد التاريخي» و«معضلة الأصولية الإسلامية» ثم بالأخص: «الإسلام والانغلاق اللاهوتي». وسوف أوضح الإشكالية أكثر في كتاب جديد يصدر قريبا عن دار الساقي في بيروت بعنوان: «العرب والبراكين التراثية». لكن بعض المثقفين وبالأخص الحركيين السياسيين المسيطرين على وسائل الإعلام يرفضون الاعتراف بذلك ويلقون بالمسؤولية كما العادة على الخارج، على الطليان.. وهذه حيلة سهلة لم تعد تخفى حتى على العميان..

إنهم يرفضون الاعتراف بوجود مرض داخلي ينخر في أحشاء الأمة ويضرب في العمق. وهو مرض ليست داعش إلا أحد تجلياته وأن كانت الأكثر شراسة وإجراما. إنها الزبد الذي يرغو على السطح. وأما ما تحتها فتوجد قارات سحيقة من الفكر العفن الذي يغذيها ويوقد نارها. وبالتالي فيخطئ من يظن أن المشكلة المتفجرة حالياً ستقتصر على بلاد الشام والعراق. ينبغي أن يعلم الناس أن الحريق سيمتد لكي يشمل الجميع. ذلك أن المرض مستفحل، عضال. وسوف تصل الأمور إلى مداها الأخير: أي إلى كل مكان يحظى فيه الفكر الداعشي بتجذر واحتضان وتعاطف شعبي واسع. هناك سوف تجرى المعركة الحقيقية. وبالتالي فما نراه الآن ليس إلا مقدمات تمهيدية وأكاد أقول تبسيطية لما سيحصل لاحقا: الآتي أعظم! فهذه المشكلة، مشكلة الأصولية الداعشية، مدعومة من قبل عقلية جماعية مترسخة على مدار القرون الانحطاطية وليس فقط منذ القرن الثامن عشر أو منذ عام 1928 (تاريخ ظهور حركة الإخوان المسلمين). ثم زادتها استفحالا برامج تعليم طائفية وفضائيات ظلامية وخطب جمعة حامية تصب الزيت على النار يوميا. وكانت النتيجة ما نحصده الآن. فهؤلاء القتلة الذين يشعلون العالم من بيروت إلى باريس لم يجيئوا من المريخ ولا من بلاد الأسكيمو والواق واق.. وإنما هم خارجون من أعماقنا التراثية الدفينة. إنهم نتاج تربية معينة، وفكر ديني مهيمن، وحاضنة اجتماعية ضخمة. لكن ليس عن كتبي وأفكاري سأتحدث لكم الآن وإنما عن آراء المثقفين الفرنسيين بخصوص ما حصل مؤخراً في مدينة الأنوار: باريس. فهذه المجزرة الوحشية التي ارتكبت في قلب عاصمة التنوير العالمي ستكون لها انعكاسات وآثار لا يعلم إلا الله مداها. وربما لن تقل خطورة عن ضربة 11 سبتمبر. إذا ما كبرت ما بتصغر! هذا هو فحوى الموضوع من أوله إلى آخره. وهذه هي فلسفة التاريخ التي انطلق منها لفهم ما يجري حاليا. لقد لخصتها بعبارة واحدة أو بكلمات معدودات.

بل لن يقتصر حديثي على المجزرة، ولن يكون مجرد تحقيق صحفي سريع وإنما سيتعرض لمشكلة الأصولية الداعشية في جذورها العميقة. كيف يرى كبار مفكري فرنسا هذه الظاهرة؟ كيف يحللونها ويدرسونها بعد أن وصلت إلى عقر دارهم؟ سوف نفاجأ بأشياء كثيرة إذا ما اطلعنا على أفكارهم. وربما أزعجنا بعضها أو خدش حساسيتنا. وربما انتفضنا وثرنا أو استشطنا غضبا. وفي كل الأحوال فأنا أنقلها هنا لا على سبيل الإعجاب بها أو الموافقة عليها وإنما على طريقة: ناقل الكفر ليس بكافر! ذلك أنه ينبغي أن نعرف ما يقوله الآخرون عنا لكي نتصرف على هدي من أمرنا. هل تريدون أن ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعامات؟

أطروحات خاطئة

الفكرة الأولى آتية من جهة الفيلسوف ريمي براغ أستاذ فلسفة القرون الوسطى العربية واليهودية في جامعتي السوربون وميونيخ في آن معا. وهو صاحب كتب عديدة مشهورة وإن كان متهما من قبل العلمانيين بأنه أصولي كاثوليكي أكثر من اللزوم. ربما كان هذا الكلام مبالغة، إذ يزعم هذا الباحث المتعصب والمتطرف ما معناه: هل يمكن أن نجد أعمال عنف معينة لدى مؤسسي الأديان الكبرى؟ بصراحة يصعب علينا أن نجدها لدى بوذا أو المسيح. ولكن للأسف لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن نبي الإسلام. فالأحاديث النبوية وكتب السيرة القديمة لابن إسحاق وابن هشام تدل على أنه مارس العنف الديني أو أمر به. فقد أمر بقطع رؤوس عدة مئات من الأسرى. وأمر بتعذيب أمين الخزانة لقبيلة يهودية لكي يدله على مكان وجود الكنز المخبوء. كما وأمر باغتيال ثلاثة شعراء لأنهم استهزأوا به. نفتح هنا قوسا اعتراضيا ونقول بأن كعب ابن زهير نجا من الموت بأعجوبة بعد قصيدته الرائعة: بانت سعاد.

لنستمع إلى هذه الأبيات الخالدة: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف