• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

معالجة الإرهاب.. هل هذا ممكن؟

الدرجة القصوى للشر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 ديسمبر 2015

11 سبتمبر رقم ترسخ في الذاكرة البشرية، أصبحنا نميز بين ما قبل هذا التاريخ وما بعده، يشير جاك ديريدا إلى أن هذا التاريخ لا يشير فقط إلى حدث مؤسس، بل أيضا إلى حدث غير قابل للوصف، بحيث إننا لا نعرف عما نتكلم. هناك شيء ما وقع وهو بالتأكيد يتجاوز مجرد عدد الضحايا الذين سقطوا. يقول ديريدا: «إن شيئا ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، لكننا لا ندري ما هو». نعتقد أن أسوأ ما حدث هو ظهور شكل جديد من الصراع والشر الذي يصعب تسميته أو تحديد طبيعته، شكل يتجاوز حتى الفظاعات التي عرفناها عن الحروب الكلاسيكية.

يضعنا الإرهاب اليوم أمام باراديغم جديد للصراع إنه بمثابة اختلاف أساسي غير قابل للمعالجة. تاريخيا إذن كانت الحرب الهمجية هي أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان. ولكن هاكم الآن ما يميز أزمنتنا المعاصرة: الإرهاب هو الشر في درجته القصوى.Le terrorisme est l’archi violence إذا كانت الحرب هي بالضرورة قذرة، لأنها تحمل الموت لبني البشر وتقضي على الاستقرار والعمران، فإن الإرهاب ليس مجرد ممارسة قذرة، بل هو يضفي على القذارة طابعا أخلاقيا ويبررها من منطلق روحي أو طهراني. يظل مع ذلك ما يميز الإرهاب ليس فقط شكل التنظيم الذي يهيئ به صفوفه، بل الأثر أو الفكرة التي يحدثها وهي قتل أكبر عدد من الناس بأبشع صورة ممكنة، وبشكل يسمح بتداول هذا الحدث بطريقة واسعة في الواجهات الإعلامية، وبالتالي يكون هدف الإرهاب ليس فقط تنفيذ العملية في حد ذاتها بل إحداث نوع من الإهانة والتحقير ومرارة الخسارة.

في كل المعارك التي عرفها التاريخ كان هناك دائما مجال تتم فيه المعركة سواء كان ذلك في البحر، أو في الجو أو في اليابسة. كان للحرب أخلاقها القائمة على احترام هذا المجال وعدم تجاوزه، بل إن الانتصار كان يقتضي التحكم فيه. غير أن الإرهاب اليوم يقوم على النقيض من هذا الأمر، إنه الحرب الكلية التي تنطلق أساسا على إلغاء منطقة الأمان، فاستهداف القطارات والتجمعات السكنية والأماكن السياحية والفضاءات العامة.. دليل على أن الإرهاب ما هو إلا الرغبة في جعل التهديد بالموت الجماعي قائما في كل مكان.

إنه رفاهية الموت المجاني، لأنه غير قادر على أن يحقق أيا من مطالبه. ولهذا السبب أيضا يمكننا أن نعرفه كظاهرة صامتة لأنه ليس لديه ما يقوله للعالم. نقصد هنا أن المطالب التي تنادي بها هذه الجهات لا يمكن تباحثها سياسيا، لأنها أكبر من أي مفاوضات سياسية، إذ كيف يمكن أن نتباحث مطالب تتناقض مع الديمقراطية والحداثة وتكفرهما.

الحداثة والإرهاب

يبدو الإرهاب اليوم كرد فعل لا عقلاني ضد لا عقلانية الحداثة، فلا عقلانية الإرهاب تبرز ـ بالإضافة إلى الطابع الدموي الذي يواجه به العالم ـ في القراءة السطحية التي يقوم بها لتراث ضخم هو التراث الإسلامي عاملا على إفراغه من مضمونه الحي، ومحولا إياه إلى شعارات متصلبة غير قادرة على التعايش مع الحاضر. أما لا عقلانية الحداثة فلها تجليات مختلفة في السياسة والاقتصاد والبيئة، لكن أبرزها يظهر فيما وصفه النقد الفلسفي المعاصر بتحول العقل من طابعه الاستكشافي التساؤلي للعالم إلى مقولة تصنيفية ثابتة تحاول تنميط العالم في قوالب جاهزة قابلة للتداول تجاريا، أو بطريقة أخرى تحولت المقولة الأنوارية: كل شيء ينبغي أن يكون قابلا للتفكير، إلى مقولة ماركوتينغية وهي: كل شيء ينبغي أن يكون قابلا للبيع، هكذا تتضافر عدمية الإرهاب مع عدمية الحداثة في تشكيل وصنع مأساة الحاضر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف