• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م

أعمال التشكيلي الإماراتي محمد القصاب

مغامرة التجريد..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 31 يناير 2013

محمد مهدي حميدة

يؤلف التشكيلي الإماراتي محمد القصاب لوحاته التجريدية متكئاً على جملة من الأواصر الجامعة بين شغفه الذاتي وما يحيط به من معطيات بيئية تنطلق في عمومها، من وجود تراثي ممزوج بالعاطفة والحنين الزمنيين، ما يحمله على تحري الكثير مما تتضمنه عجائن اللون من أسرار وطاقات كامنة تقوى على دفعه في السبيل لتدشين فيض من علائق ومحاورات بصرية تقع ضمن لوحات جديرة باحتلال موقعها الفريد في نطاق الحركة التشكيلية الإماراتية المعاصرة، بما لهذه اللوحات من خصوصية بادية، تتعلق بأسلوب إنتاجها والقدرة الواضحة على إحالة الأشكال من الواقع إلى الفن، خلال مجاراة ممارساتية تحفل بالخبرة وتتشبث باليقين، ولا تتوانى عن المضي في طرق تكون المبادرة خلالها لبصيرة الفنان النافذة والمتجهة إلى حيث يوجد المعنى، وتتحقق عذوبة الكشف وجلاء الرؤية.

يقيم القصاب مشروعه التشكيلي الممتد لأكثر من ثلاثين عاماً متجهاً بوعي وإصرار من المحاكاة التحليلية لبعض مشاهد الحياة اليومية نحو الاقتضاب والاختزال والتكثيف لونياً وبصرياً، بما يمنح لوحاته صورها الإجمالية المميزة قياساً بما يتم إنتاجه من قبل فنانين آخرين وأنداد لديهم كذلك عوالمهم ومفرداتهم المحتفظة لذاتها بمساحات من التمايز والاستقلالية الأسلوبية والانتقائية، وهو في اشتغاله الإبداعي يقرأ بفطنة ومهارة واضحتين كثيراً من المكونات التي كان الواقع المنصرم قد تشكل منها سالفاً، كتلك المعالم المكانية، والشخوص، والأدوات على تنوعها، وبما قد تأتى لها من حضور أساسي ضمن الحياة الذاهبة نحو الماضي المتباعد بلا إياب.

البحث عن الذات الفنية

لقد عني الفنان في بداياته التشكيلية بتقديم تصوراته البصرية حول الواقع صابغاً لوحاته بصبغة تحليلية واضحة، لا تركن عند حدود الواقع بواقعيته المعتادة والمتعارف عليها، ولكنها استطاعت أن تمنح ذلك الواقع صفات أخرى تشكيلية في المقام الأول وبصورة خالصة، من خلال أسلوب فني يقوم بصفة رئيسية على تحويل الأشكال العضوية وما دونها، لمجموعات متجاورة من المسطحات اللونية التي تُقر إجمالاً بولع الفنان في ذلك الوقت المبكر من مشروعه البصري، بالبحث عن امتلاكه لذات إبداعية مغايرة للسائد في الأرجاء المحيطة، وهو ما حدث بالفعل، إذ سرعان ما أمكنه العثور عليها، والعمل على تطويرها والارتقاء بها، والتخلص في نفس الوقت من بعض التأثيرات والتقاطعات القليلة مع مشاريع فنية أخرى سابقة عليه.

إن عثور الفنان على ذاته الفنية الخالصة يتضح لنا، من خلال المتابعة الدقيقة لمجموع ما أنتجه من لوحات لاحقة أمكن لنا أن نراها وقد تخلصت بقدر كبير من براثن الإفصاح الشكلي والرسم الصريح لتصل في تطور لافت إلى عالم التجريد، بكل ما له من آفاق ودهاليز تتطلب قدراً كبيراً من الدراية والحنكة للخوض في مساربها، وهو ما تأتى للفنان عبر جهود مضنية وتواصل محموم نجح في إقامته مع فضاء اللوحة وبياضها، ذلك الذي يقف صارماً ومتحدياً أمام منتجي الفن ومبدعيه، على تفاوت مستوياتهم وأساليبهم وطقوسهم المعتمدة في الولوج نحو إقامة الفعل التشكيلي وتعضيد وجوده.

ولعل الإفادة الحقيقية التي أمكن للقصاب أن يجنيها من مجموعة اللوحات التي أنتجها إبان بداياته الفنية وانطلاقته في عالم التشكيل، إنما ترتبط بشكل كبير ببحثه التحليلي في صوغ الأشكال وطرائق ظهورها، بما يتوافق مع توجهه نحو تنميط لوحاته بنمط بصري يستلهم شكلانية الأشياء ويضعها - وفق رؤية محددة - في حيز من تجاورات لونية مكنته فيما بعد من العثور على وحدات ومفردات عديدة مجردة، هي من ألفت في عمومها أبجديته الإبداعية ولغته التشكيلية القائمة على تفكيك ما يستطيع له تخيره من مشاهد الواقع وزواياه وتفاصيله، ومن ثم إعادة تركيبها لا كما تبدو عليه في واقعها ذاك الذي بدا ماضياً، ولكن كما يتوق الفنان لرؤيتها عليه عاطفياً وذهنياً، لتتواكب بذلك مع خلاصة تصوره عن مشهد ما، أو تخير يتقصد هو نفسه تناوله وطرحه، وفقاً لأسلوبه الفني والكيفية التي بها ينجز أعماله، التي تبدأ لديه كدفقة شعورية، وحنين يرغب في الدفع بهما إلى حيز الرؤية عبر وسيط لوني متجاوب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا