• الخميس 06 جمادى الآخرة 1439هـ - 22 فبراير 2018م

معارك الخطاب السياسي في مصر بدأت بنغمة واحدة وانتهت بـ «كل يغني على ليلاه»

بلاغة الحرية...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 31 يناير 2013

محمد أحمد محمد

ما أشبه السياسة بالمسرح الكبير، وما أشبه حقل التواصل السياسي المصري بخشبة المسرح التي تقف عليها القوى السياسية بأحزابها وجماعاتها وكياناتها لتعزف خطاباتها أمام جماهير محتشدة، تجتمع في قاعة رحبة، رحابة الوطن. من الطبيعي أن تتغير المقطوعات المعزوفة من حين إلى آخر، وأن يتغير العازفون، بل يمكن أن تتغير نوعية الجمهور أنفسهم، وشكل علاقتهم بالعازفين، لكن خشبة المسرح وحدود الوطن يظلا ثابتين عادة. ويحلل كتاب «بلاغة الحرية: معارك الخطاب السياسي في زمن الثورة» للدكتور عماد عبد اللطيف الصادر عن دار التنوير، القاهرة - بيروت- تونس، 2012 تحليلاً عميقًا للخطابات الثلاثة الكبرى التي استحدثتها الثورة على ساحة التواصل السياسي؛ الأول هو «خطاب الميادين» الاحتجاجي والثوري. والثاني هو «خطاب الشاشات»؛ الذي حاول إجهاض الثورة وتحجيم تأثيرها. أما الثالث فهو «خطاب الصناديق» الدعائي الحشدي، الذي كانت الغلبة فيه للقوى الإسلامية على حساب العديد من القوى الثورية.

ويدرس المؤلِّف عدداً كبيراً من النصوص المؤثرة في مسار الثورة المصرية، تشمل لافتات الميدان وهتافاته ونكاته وأغانيه وتسمياته. إضافة إلى خطب الرئيس السباق حسني مبارك والرئيس المصري الحالي محمد مرسي وبيانات المجلس العسكري. كما يحلل تغطية التلفزيون المصري لأحداث الثورة على مدار الفترة الانتقالية، ويخصص قسمًا كاملاً من كتابه لدراسة خطاب الدعاية الانتخابية في الانتخابات النيابية والرئاسية التي شهدتها مصر بعد الثورة، محللاً بالتفصيل أساليب الإقناع والتأثير التي استخدمها المرشحون لحصد أصوات الناخبين.

وفي مقدمته للكتاب يلقي المؤلف نظرة سريعة على هذا المسرح الكبير، بعازفيه ومعزوفاته، وجمهوره ومتفرجيه، ونقارن بين حاله قبل ثورة يناير وحاله بعدها.

ديكور النقد الذاتي

قبل الثورة كان النظام الحاكم يحتل المساحة الأكبر من خشبة التواصل السياسي؛ بتلفزيونه الحكومي، والقنوات الخاصة التابعة له وإذاعاته وصحفه «القومية»، وجيش كبير من «الخبراء» والمتابعين. كان هذا الجمع الغفير من العازفين يعزف تقريباً سيمفونية واحدة؛ تتغنى بالرخاء والديمقراطية والأمن والاستقرار، وتنشد مقطوعات متواصلة في مدح الرئيس الأب والرئيس الابن، الذي بدا وصوله إلى الحكم - كما ظهر في بعض التصريحات - أمراً قدرياً، لا مفر منه ولا مهرب.

بالطبع كانت هناك تنويعات على هذه السيمفونية بآلات مختلفة وأصوات ونغمات متباينة؛ فلم تخل ساحة المسرح من ديكور النقد الذاتي، متمثلا في مقالات وعبارات وحوارات تلفزيونية ينتقد أصحابها هذا المسؤول التنفيذي أو ذاك، ويستصرخون الرئيس - المايسترو بأن يصحح – كعادته - الأوضاع البسيطة الخاطئة!. وكان المايسترو يحاول السيطرة على كل تجليات الخطاب الذي يقدمه هؤلاء العازفون، ولا يتوانى عن إقصاء أي عازف يخرج على النوتة الموسيقية الموضوعة. أما المخلصون من العازفين؛ بخاصة رؤساء تحرير الصحف و»مفكري» اللقاءات الحوارية في التلفزيون، فلم يحظوا فقط بتصفيق التابعين وصفير استحسانهم، بل ببعض من إيراد الحفلة التي دفع ثمنها المصريون مسبقاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا