• الأربعاء غرة رجب 1438هـ - 29 مارس 2017م

لطالما ‬كانت أوروبا ‬طريقاً ‬واسعاً ‬لانتشار ‬الإرهاب، وكان ‬مؤسفاً ‬أن ‬ترعى الدول ‬الأوروبية ‬لسنوات ‬رموز ‬الإرهاب، ‬وبخاصة ‬بريطانيا، ‬وفقاً ‬لقوانين ‬الحريات ‬ونحوها

الأخطر ‬من «‬داعش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 ديسمبر 2015

هل ‬هناك ‬ما ‬هو ‬أخطر ‬من ‬«داعش»؟ ‬وهل ‬يمكن ‬تصور ‬ما ‬هو ‬أبشع ‬من ‬«داعش»؟ ‬أو ‬أكثر ‬توحشاً ‬منها؟ ‬والجواب ‬البسيط ‬هو ‬نعم، ‬إن ‬«داعش» ‬ثمرة ‬وليس ‬جذراً، ‬نتيجة ‬وليست ‬سبباً، ‬وليس ‬أنفع ‬من ‬تسمية ‬الأشياء ‬بأسمائها. بالإضافة ‬لجرائمها ‬في ‬العراق ‬والشام، ‬فإن «داعش» ‬كما ‬تقول ‬دعايتها ‬الشعبوية ‬الإعلامية «‬باقية ‬وتتمدد»‬، ‬ولكن ‬لماذا ‬تبقى؟ ‬ولماذا ‬تتمدد؟ ‬وما ‬هو ‬السبب ‬في ‬ذلك ‬البقاء ‬والتمدد؟ ‬إنه ‬ببساطة ‬يتمثل ‬في ‬عوامل ‬متعددة ‬يمكن ‬اختصارها ‬في ‬التالي: ‬خلق ‬التخاذل ‬السياسي ‬إقليمياً ‬ودولياً ‬لتنظيم ‬«داعش» ‬بيئة ‬مناسبة ‬للتكاثر ‬والتأثير، ‬وضاعفت الصراعات ‬الإقليمية ‬التي ‬ارتقت ‬لتصبح ‬دولية ‬لها ‬مجال ‬رحب ‬للتوسع، ‬وهي ‬سعت ‬لتوصيف ‬نفسها ‬بأنها «‬دولة» ‬وليست ‬مجرد «‬جماعة» ‬أو «‬تنظيم» ‬وقد ‬أصبح ‬أتباعها ‬في ‬العديد ‬من ‬الدول ‬العربية ‬المنتفضة ‬والمستقرة ‬ينشرون ‬الخراب ‬والدمار، ‬وقد ‬أصبحت ‬بسبب ‬استقرارها ‬وعدم ‬التعرض ‬لها ‬قادرةً ‬على ‬التصدير ‬للخارج، ‬ولكل ‬دول ‬العالم، ‬ولن ‬تبقى ‬دولة ‬في ‬العالم ‬خارج ‬تهديداتها ‬وخلاياها ‬وإرهابها. إنها ‬بموجب «‬البقاء» ‬تبني ‬لها ‬شبكة ‬محلية ‬وإقليمية ‬ودولية ‬في ‬مناطق ‬نفوذها ‬في ‬العراق ‬والشام، ‬وهي ‬بموجب «‬التمدد» ‬تجمع ‬لها ‬أنصاراً ‬ومقاتلين ‬في ‬دول ‬الانتفاضات ‬العربية، ‬وما ‬جاورها، ‬وتنشر ‬خلاياها ‬وإرهابها ‬حول ‬العالم، ‬والهدف ‬هو ‬فرض ‬التخلّف ‬في ‬زمن ‬المدنية، ‬والجهل ‬في ‬زمن ‬العلم، ‬وهي ‬تنحاز ‬للكراهية ‬والتوحش ‬وتريد ‬بذلك ‬كله ‬أن ‬تكون «‬دولةً» ‬يعترف ‬بها ‬العالم ‬بسبب ‬الخوف ‬والبشاعة. لقد ‬ضربت ‬في ‬فرنسا، ‬وحاولت ‬المزيد ‬من ‬الضربات ‬ولم ‬تستطع، ‬وما ‬يصح ‬على ‬فرنسا ‬يصح ‬في ‬بلجيكا ‬وغيرها ‬من ‬الدول ‬الأوروبية، ‬وهي ‬تهدد ‬ألمانيا، ‬ومن ‬بعد ‬فهي ‬نشرت ‬التنظيمات ‬التابعة ‬لها ‬في ‬مصر ‬وليبيا، ‬وفي ‬السعودية ‬والبحرين ‬والكويت، ‬وها ‬هي ‬تضرب ‬في ‬تونس، ‬وسبقها ‬تنظيم ‬«القاعدة» ‬في ‬إعادة ‬نشاطه ‬في ‬مالي، ‬وهي ‬تستهدف ‬دور ‬العبادة ‬والمساجد، ‬وتستلذّ ‬بمهاجمة ‬وقتل ‬المخالفين ‬وتركيزها ‬الأكبر ‬هو ‬على ‬أتباع ‬المذهب ‬السُني، ‬وتعتمد ‬في ‬عملياتها ‬على «‬الغدر» ‬مثلها ‬مثل ‬جماعات ‬الإرهاب ‬منذ ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين» ‬في ‬نهاية ‬عشرينيات ‬القرن ‬الماضي ‬مروراً ‬بالتنظيم ‬السري ‬أو ‬الخاص ‬الذي ‬تكرر ‬ظهوره ‬داخل ‬الجماعة، ‬وكذلك ‬تنظيمات ‬العنف ‬في ‬السبعينيات ‬في ‬مصر ‬وكذلك ‬تنظيمات ‬العنف ‬في ‬التسعينيات ‬وصولاً ‬لتنظيم ‬«القاعدة» ‬الأم ‬وفروعه ‬في ‬العديد ‬من ‬البلدان، ‬وسُنة ‬الغدر ‬سُنة ‬إخوانية ‬بامتياز.

شهدت ‬العمليات ‬مؤخراً ‬إعادة ‬نشاط «‬تنظيم ‬القاعدة»‬، ‬واستئناف ‬العمليات ‬الإرهابية ‬ونشر ‬الدمار، ‬وقامت ‬سوق ‬المنافسة ‬بين ‬التنظيمين ‬اللذين ‬يتنافسان ‬على ‬نشر ‬الشرور ‬وترويج ‬الخراب، ‬وهو ‬تنافس ‬على ‬الظلام ‬والتوحش، ‬ولا ‬يختلف ‬التنظيمان ‬عن ‬بعضهما ‬ولا ‬يختلفان ‬مع ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬إلا ‬في ‬الدرجة ‬لا ‬في ‬النوع، ‬وأحياناً ‬في «‬التوقيت» ‬الذي ‬ينبغي ‬فيه ‬تبنّي ‬ذلك ‬التوحش ‬وتلك ‬البشاعة. إن ‬التخاذل ‬الدولي ‬كما ‬أدى ‬لتصعيد ‬الصراعات ‬الإقليمية ‬الدولية، ‬فقد ‬أدى ‬لخلق ‬نوعٍ ‬من «‬التنافس ‬الإرهابي» ‬فالفراغ ‬السياسي ‬وفراغ ‬العالم ‬من ‬قوى ‬كبرى ‬تتحكم ‬به ‬يمنح ‬الجميع ‬قدرةً ‬على ‬ملئه، ‬ومن ‬هنا ‬فقد ‬عاد ‬تنظيم ‬«القاعدة» ‬ليشعر ‬بقيمته ‬مجدداً، ‬ويعود ‬لمنافسة ‬«داعش» ‬في ‬الإرهاب ‬والتوحش. لطالما ‬كانت «‬أوروبا» ‬والدول ‬الأوروبية ‬طريقاً ‬واسعاً ‬لانتشار ‬الإرهاب ‬وتوزعه ‬في ‬دولها، ‬إن ‬مشكلات ‬مزمنة ‬لديها ‬كـ «‬الهجرة» ‬و«‬الأقليات» ‬والمحاولات ‬العبثية ‬لإيجاد ‬سبلٍ ‬للتوفيق ‬بين ‬قيمها ‬الراسخة ‬وبين «‬كانتونات» ‬المهاجرين ‬خلق ‬لها ‬العديد ‬من ‬الأزمات ‬مع ‬عناصر ‬يتم ‬تجنيدها ‬وتدريبها ‬تحت ‬حماية «‬الحريات» ‬ومع ‬دعمٍ ‬مادي ‬تقدمه ‬الحكومات ‬الأوروبية ‬لقادة ‬الإرهاب.

لقد ‬كان ‬مؤسفاً ‬أن ‬ترعى «‬الدول ‬الأوروبية» ‬لسنوات ‬رموز ‬الإرهاب، ‬وبخاصة ‬بريطانيا، ‬وفقاً ‬لقوانين ‬الحريات ‬ونحوها، ‬وقد ‬رعت «‬أبو ‬قتادة ‬الفلسطيني»، ‬ورعت «‬أبو ‬حمزة ‬المصري»‬ ورعت ‬العشرات ‬من ‬أمثالهما، ‬وهي ‬وإن ‬سلمت ‬الأول ‬للأردن ‬وسلمت ‬الثاني ‬لأميركا ‬مؤخراً، ‬فإنها ‬لم ‬تزل ‬تعيش ‬آثار ‬تلك ‬المرحلة، ‬ولكن ‬هذه ‬لم ‬تكن ‬أول ‬الرعايات، ‬فمن ‬قبلها ‬كانت ‬رعاية ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين» ‬ورعاية ‬الإسلام ‬السياسي، ‬ورعاية ‬الرموز ‬والتيارات ‬المتطرفة ‬التي ‬كانت ‬تُحرض ‬وتخطط ‬وتدعم ‬تنظيمات ‬الإرهاب ‬في ‬الدول ‬العربية، ‬ولم ‬تستيقظ ‬إلا ‬حين ‬شعرت ‬بالخطر ‬وبقرب ‬النار ‬لمواطئ ‬أقدامها.

ستستغرب ‬الأجيال ‬القادمة ‬كيف ‬أمكن ‬لتنظيم ‬إرهابي ‬بهذا ‬التوحش ‬والبشاعة «‬تنظيم ‬داعش» ‬أن ‬يجد ‬له ‬مكاناً ‬تحت ‬الشمس ‬في ‬هذا ‬القرن؟ ‬وكيف ‬أمكنه ‬أن ‬يحتل ‬مدينة ‬بحجم «‬الموصل» ‬ومساحةً ‬تمتد ‬بين ‬دولتين «‬العراق» ‬و«‬سوريا» ‬وأن ‬يقوم ‬بتصدير ‬النفط، ‬ويطلق ‬أقوى ‬شبكة ‬عنكبوتية ‬للتجنيد، ‬وحق ‬لهم ‬الاستغراب.

*عبدالله بن بجاد العتيبي*

* كاتب سعودي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا