• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

لطالما ‬كانت أوروبا ‬طريقاً ‬واسعاً ‬لانتشار ‬الإرهاب، وكان ‬مؤسفاً ‬أن ‬ترعى الدول ‬الأوروبية ‬لسنوات ‬رموز ‬الإرهاب، ‬وبخاصة ‬بريطانيا، ‬وفقاً ‬لقوانين ‬الحريات ‬ونحوها

الأخطر ‬من «‬داعش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 ديسمبر 2015

هل ‬هناك ‬ما ‬هو ‬أخطر ‬من ‬«داعش»؟ ‬وهل ‬يمكن ‬تصور ‬ما ‬هو ‬أبشع ‬من ‬«داعش»؟ ‬أو ‬أكثر ‬توحشاً ‬منها؟ ‬والجواب ‬البسيط ‬هو ‬نعم، ‬إن ‬«داعش» ‬ثمرة ‬وليس ‬جذراً، ‬نتيجة ‬وليست ‬سبباً، ‬وليس ‬أنفع ‬من ‬تسمية ‬الأشياء ‬بأسمائها. بالإضافة ‬لجرائمها ‬في ‬العراق ‬والشام، ‬فإن «داعش» ‬كما ‬تقول ‬دعايتها ‬الشعبوية ‬الإعلامية «‬باقية ‬وتتمدد»‬، ‬ولكن ‬لماذا ‬تبقى؟ ‬ولماذا ‬تتمدد؟ ‬وما ‬هو ‬السبب ‬في ‬ذلك ‬البقاء ‬والتمدد؟ ‬إنه ‬ببساطة ‬يتمثل ‬في ‬عوامل ‬متعددة ‬يمكن ‬اختصارها ‬في ‬التالي: ‬خلق ‬التخاذل ‬السياسي ‬إقليمياً ‬ودولياً ‬لتنظيم ‬«داعش» ‬بيئة ‬مناسبة ‬للتكاثر ‬والتأثير، ‬وضاعفت الصراعات ‬الإقليمية ‬التي ‬ارتقت ‬لتصبح ‬دولية ‬لها ‬مجال ‬رحب ‬للتوسع، ‬وهي ‬سعت ‬لتوصيف ‬نفسها ‬بأنها «‬دولة» ‬وليست ‬مجرد «‬جماعة» ‬أو «‬تنظيم» ‬وقد ‬أصبح ‬أتباعها ‬في ‬العديد ‬من ‬الدول ‬العربية ‬المنتفضة ‬والمستقرة ‬ينشرون ‬الخراب ‬والدمار، ‬وقد ‬أصبحت ‬بسبب ‬استقرارها ‬وعدم ‬التعرض ‬لها ‬قادرةً ‬على ‬التصدير ‬للخارج، ‬ولكل ‬دول ‬العالم، ‬ولن ‬تبقى ‬دولة ‬في ‬العالم ‬خارج ‬تهديداتها ‬وخلاياها ‬وإرهابها. إنها ‬بموجب «‬البقاء» ‬تبني ‬لها ‬شبكة ‬محلية ‬وإقليمية ‬ودولية ‬في ‬مناطق ‬نفوذها ‬في ‬العراق ‬والشام، ‬وهي ‬بموجب «‬التمدد» ‬تجمع ‬لها ‬أنصاراً ‬ومقاتلين ‬في ‬دول ‬الانتفاضات ‬العربية، ‬وما ‬جاورها، ‬وتنشر ‬خلاياها ‬وإرهابها ‬حول ‬العالم، ‬والهدف ‬هو ‬فرض ‬التخلّف ‬في ‬زمن ‬المدنية، ‬والجهل ‬في ‬زمن ‬العلم، ‬وهي ‬تنحاز ‬للكراهية ‬والتوحش ‬وتريد ‬بذلك ‬كله ‬أن ‬تكون «‬دولةً» ‬يعترف ‬بها ‬العالم ‬بسبب ‬الخوف ‬والبشاعة. لقد ‬ضربت ‬في ‬فرنسا، ‬وحاولت ‬المزيد ‬من ‬الضربات ‬ولم ‬تستطع، ‬وما ‬يصح ‬على ‬فرنسا ‬يصح ‬في ‬بلجيكا ‬وغيرها ‬من ‬الدول ‬الأوروبية، ‬وهي ‬تهدد ‬ألمانيا، ‬ومن ‬بعد ‬فهي ‬نشرت ‬التنظيمات ‬التابعة ‬لها ‬في ‬مصر ‬وليبيا، ‬وفي ‬السعودية ‬والبحرين ‬والكويت، ‬وها ‬هي ‬تضرب ‬في ‬تونس، ‬وسبقها ‬تنظيم ‬«القاعدة» ‬في ‬إعادة ‬نشاطه ‬في ‬مالي، ‬وهي ‬تستهدف ‬دور ‬العبادة ‬والمساجد، ‬وتستلذّ ‬بمهاجمة ‬وقتل ‬المخالفين ‬وتركيزها ‬الأكبر ‬هو ‬على ‬أتباع ‬المذهب ‬السُني، ‬وتعتمد ‬في ‬عملياتها ‬على «‬الغدر» ‬مثلها ‬مثل ‬جماعات ‬الإرهاب ‬منذ ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين» ‬في ‬نهاية ‬عشرينيات ‬القرن ‬الماضي ‬مروراً ‬بالتنظيم ‬السري ‬أو ‬الخاص ‬الذي ‬تكرر ‬ظهوره ‬داخل ‬الجماعة، ‬وكذلك ‬تنظيمات ‬العنف ‬في ‬السبعينيات ‬في ‬مصر ‬وكذلك ‬تنظيمات ‬العنف ‬في ‬التسعينيات ‬وصولاً ‬لتنظيم ‬«القاعدة» ‬الأم ‬وفروعه ‬في ‬العديد ‬من ‬البلدان، ‬وسُنة ‬الغدر ‬سُنة ‬إخوانية ‬بامتياز.

شهدت ‬العمليات ‬مؤخراً ‬إعادة ‬نشاط «‬تنظيم ‬القاعدة»‬، ‬واستئناف ‬العمليات ‬الإرهابية ‬ونشر ‬الدمار، ‬وقامت ‬سوق ‬المنافسة ‬بين ‬التنظيمين ‬اللذين ‬يتنافسان ‬على ‬نشر ‬الشرور ‬وترويج ‬الخراب، ‬وهو ‬تنافس ‬على ‬الظلام ‬والتوحش، ‬ولا ‬يختلف ‬التنظيمان ‬عن ‬بعضهما ‬ولا ‬يختلفان ‬مع ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬إلا ‬في ‬الدرجة ‬لا ‬في ‬النوع، ‬وأحياناً ‬في «‬التوقيت» ‬الذي ‬ينبغي ‬فيه ‬تبنّي ‬ذلك ‬التوحش ‬وتلك ‬البشاعة. إن ‬التخاذل ‬الدولي ‬كما ‬أدى ‬لتصعيد ‬الصراعات ‬الإقليمية ‬الدولية، ‬فقد ‬أدى ‬لخلق ‬نوعٍ ‬من «‬التنافس ‬الإرهابي» ‬فالفراغ ‬السياسي ‬وفراغ ‬العالم ‬من ‬قوى ‬كبرى ‬تتحكم ‬به ‬يمنح ‬الجميع ‬قدرةً ‬على ‬ملئه، ‬ومن ‬هنا ‬فقد ‬عاد ‬تنظيم ‬«القاعدة» ‬ليشعر ‬بقيمته ‬مجدداً، ‬ويعود ‬لمنافسة ‬«داعش» ‬في ‬الإرهاب ‬والتوحش. لطالما ‬كانت «‬أوروبا» ‬والدول ‬الأوروبية ‬طريقاً ‬واسعاً ‬لانتشار ‬الإرهاب ‬وتوزعه ‬في ‬دولها، ‬إن ‬مشكلات ‬مزمنة ‬لديها ‬كـ «‬الهجرة» ‬و«‬الأقليات» ‬والمحاولات ‬العبثية ‬لإيجاد ‬سبلٍ ‬للتوفيق ‬بين ‬قيمها ‬الراسخة ‬وبين «‬كانتونات» ‬المهاجرين ‬خلق ‬لها ‬العديد ‬من ‬الأزمات ‬مع ‬عناصر ‬يتم ‬تجنيدها ‬وتدريبها ‬تحت ‬حماية «‬الحريات» ‬ومع ‬دعمٍ ‬مادي ‬تقدمه ‬الحكومات ‬الأوروبية ‬لقادة ‬الإرهاب.

لقد ‬كان ‬مؤسفاً ‬أن ‬ترعى «‬الدول ‬الأوروبية» ‬لسنوات ‬رموز ‬الإرهاب، ‬وبخاصة ‬بريطانيا، ‬وفقاً ‬لقوانين ‬الحريات ‬ونحوها، ‬وقد ‬رعت «‬أبو ‬قتادة ‬الفلسطيني»، ‬ورعت «‬أبو ‬حمزة ‬المصري»‬ ورعت ‬العشرات ‬من ‬أمثالهما، ‬وهي ‬وإن ‬سلمت ‬الأول ‬للأردن ‬وسلمت ‬الثاني ‬لأميركا ‬مؤخراً، ‬فإنها ‬لم ‬تزل ‬تعيش ‬آثار ‬تلك ‬المرحلة، ‬ولكن ‬هذه ‬لم ‬تكن ‬أول ‬الرعايات، ‬فمن ‬قبلها ‬كانت ‬رعاية ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين» ‬ورعاية ‬الإسلام ‬السياسي، ‬ورعاية ‬الرموز ‬والتيارات ‬المتطرفة ‬التي ‬كانت ‬تُحرض ‬وتخطط ‬وتدعم ‬تنظيمات ‬الإرهاب ‬في ‬الدول ‬العربية، ‬ولم ‬تستيقظ ‬إلا ‬حين ‬شعرت ‬بالخطر ‬وبقرب ‬النار ‬لمواطئ ‬أقدامها.

ستستغرب ‬الأجيال ‬القادمة ‬كيف ‬أمكن ‬لتنظيم ‬إرهابي ‬بهذا ‬التوحش ‬والبشاعة «‬تنظيم ‬داعش» ‬أن ‬يجد ‬له ‬مكاناً ‬تحت ‬الشمس ‬في ‬هذا ‬القرن؟ ‬وكيف ‬أمكنه ‬أن ‬يحتل ‬مدينة ‬بحجم «‬الموصل» ‬ومساحةً ‬تمتد ‬بين ‬دولتين «‬العراق» ‬و«‬سوريا» ‬وأن ‬يقوم ‬بتصدير ‬النفط، ‬ويطلق ‬أقوى ‬شبكة ‬عنكبوتية ‬للتجنيد، ‬وحق ‬لهم ‬الاستغراب.

*عبدالله بن بجاد العتيبي*

* كاتب سعودي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا