• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  12:01     مصادر أمنية: مسلحون يقتلون جنديين شمال لبنان     

أيّها المواطن المُعَوْلَم روحك مستباحة من طرف الإرهاب العالمي

باريس.. إنهم يحبّون الحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

هو ذا شهر نوفمبر الحزين الذي نحن على أعتابه لا نزال معلّقين، إنّه شهر الضحايا والشهداء بامتياز مرير: من ضحايا طائرة سيناء إلى شهداء برج البراجنة في بيروت، إلى ضحايا مركز التراث والفنون في باريس. والقائمة تطول..لا ندري أين ومتى سينتهي مسرح القساوة هذا الذي نحن فيه مسجونون. لولب داعر يبتلع الجميع عربيّا كان أم غربيّا..لا مشاحة في الهويّات فالدماء لا توقيع لها غير لون الأبرياء.

لماذا يستثمر العالم هذه الأيّام في فلاحة الموت وفي قطف الرؤوس التي لم تكن لتينع يوما إلاّ من أجل الحياة؟ ها نحن قد صرنا نعدّ الضحايا كما لو كان ذلك هو آخر ما تبقّى لنا من أشكال الشهادة. الشهادة ها هنا بالكتابة على ما يحدث من فظاعة المشهد. هو شهر نوفمبر الذي نحن فيه مصطفّون في طوابير مكفهرّة، بقامات قلقة وبأيادٍ مرتعشة وبمواعيد حزينة مع رائحة الموت التي لا أحد يعرف أين ستنشر أدخنتها البائسة وفي أيّة لحظة سوف تقتحم علينا دماؤنا الصغيرة وبيوتاتنا الهزيلة. هل نقول كما قال الفيلسوف الألماني منذ أكثر من قرنين من الزمن أنّ «التاريخ البشريّ إنّما هو نسيج من الجنون والخبث والتعطّش إلى الخراب» وأنّ «الإنسان إنّما قد قُدّ من خشب هو من الاعوجاج إلى حدّ لا نستطيع فيه أن نصنع منه أيّ شيء مستقيم»؟ أم نقول مع الفيلسوف الإنجليزيّ هوبز: «إنّ غريزة القتل هي أكثر الغرائز طبيعيّة فينا» و«إنّ الإنسان ذئب للإنسان»، ونسلّم وفق ذلك رؤوسنا لأقرب فرصة قتل إرهابيّة كما لو كُنّا أغناما، من أجل أن تينع فلاحة العدم؟ أم نقول مع حنّا آرندت أنّ «الشرّ صار مبتذلا» وأنّ الموت نفسه لم تعد له أيّة حرمة فكلّ الأرواح حينئذ صارت مستباحة؟ وأنّا لم نعد ذاك «الإنسان العاقل» ولا ذاك «الإنسان الصانع» بل نحن بالأحرى قد صرنا «الإنسان المهدور دمه» حيثما حلّ؟ كلّ أسئلتنا صارت مقلقة إلى حدّ الفزع. لكن ثمّة دوما أسئلة لا تزال تعتمل في صمت في كواليس أسئلتنا المغلوطة أو المنهوكة أو المزيّفة أو الكاذبة. وثمّة خيبات أمل داخل هذه الأسئلة التي ترجّ أوهامنا وتزلزل فينا خيباتنا وعقولنا المنهوكة في عالم ينحدر. هل قدرنا أن نكون إمّا شهداء أو إرهابيّين؟ وأيّة سرديّة هذه التي تكتبنا بين قتيل وقتيل؟ لماذا يأبى القاتل في عالم الأحزمة الناسفة إلاّ أن يموت مع آخرين؟ أم أنّ الموت نفسه لم يعد حقّا لأحد. حذار أيّها المواطن المعولم أنت في عالم لا تموت فيه بل أنت تُقتل.. وروحك لم تعد ملكك وحدك، بل هي مستباحة من طرف الإرهاب العالمي حيثما أنت..عالِما كنت أم مقاوما أم راعيا للأغنام في ريف حزين..

الشهيد والإرهابي؟

من هو الشهيد حينئذ؟ هل هو ذاك الذي شهد على قتله بأُمّ عينه؟ أم ذاك الذي جاء يشهد على حياته فقُتِل لأنّ قاتلا ما أراد ألاّ يموت وحيدا؟ إنّ الشهيد في لسان العرب إنّما هو مفهوم واسع حليم كما لو كان في كرم العبارة عزاء للمقتولين: فهو المطعون والمبطون وهو الحريق والغريق وصاحب الطاعون وصاحب ذات الجنب والمرأة التي تموت بالنفاس والمرأة التي تموت عذراء والمقتول دون ماله والمقتول دون دينه ودون أهله أو دمه وموت الغربة والميّت مرضا. وطالب العلم شهيد والمقتول صبرا شهيد وقائل كلمة الحقّ للحاكم شهيد..فكلّ مقتول بمظلمة، إنّما هو شهيد بالنسبة إلى لغة الضاد كما لو أنّها ترغب في إنصاف القتلى الأبرياء بشاعة الدلالة وبوفرة العبارة.

وفي الحقيقة لا يمكن أن نسأل عن الشهيد، في هذه الأيّام الحالكة، لماذا قد استشهد سبهللة ولماذا يُقتل الأبرياء في كلّ مكان، دون أن نسأل أيضا عن الإرهابيّ من يكون؟ ومن صنع هذه الماكينات البشريّة الصالحة للقتل في أيّة لحظة؟ من يكون هذا الإرهابيّ ؟ شيطان معاصر؟ أم مسخ قديم؟ هل هو ابن الآلهة أم سليل البشر؟ أم هو ابن الحداثة والعولمة وماكينة الإمبريالية العالمية التي حوّلت الجميع بدُولِها وشعوبها إلى حوانيت ومختبرات وورشات هائلة للتحكّم بالعالم؟ وهذه الأجساد المتفجّرة، هذه القنابل الموقوتة، هي أجساد من؟ وأين وجوهها؟ ومن صمّم أحزمتها الناسفة؟ ولماذا لا تريد هذه الأجساد أن تموت وحيدة؟ بعض الأسئلة أيضا ستبقى وحيدة لأنّها على حقّ إلى حدّ فظيع..

إنّ السؤال عن الشهداء اليوم يختلف عن السؤال عن شهداء الأمس. بالأمس كان الشهيد يُقتل لفكره أو لدينه أو لعلمه أو لسلطانه. لكن الشهيد اليوم يُقتل فقط لمجرّد الحياة. الحياة العارية في هشاشتها وتوتّر إيقاعها، وكآبة أيّامها ورتابة أحلامها. لقد غيّر الشهيد إذن من عنوانه: لم يعد شهيدا للوطن كما في أدب المقاومة ولا شهيدا لفكره أو علمه أو فنّه، بل صار الشهيد شهيدا للحياة، مجرّد الحياة، شهيدا للأغنيات، مجرّد أغنيات.. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف