• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ﭼيوردانو برونو.. شهيد النهضة

أوروبا الظلاميّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

تاريخ الإنسان - كما أظهر لنا الفيلسوف العظيم هيجل - هو تاريخ تطور الوعي أو الروح. ولكن تطور الوعي لم يكن تلقائياً، وإنما كان سعياً نحو التحرر، بل صراعاً من أجله. وربما يتبادر إلى الأذهان هنا أن التحرر هو التحرر من عدوان أو سلطان خارجي لدول على دول أخرى، وهذا أبعد ما يكون عن الصواب؛ لأن التحرر الحقيقي الذي ساهم في نشأة الحضارات الإنسانية هو تطور الوعي الإنساني على أصعدته كافة، وأهمها: الوعي الفكري والعلمي والديني والفني أو الجمالي.

قامت الحضارات على تضحيات أبنائها من العلماء والمفكرين الذين دفع بعضهم حياته ثمناً لذلك، فكانوا بذلك شهداءً للفكر والعلم. كان سقراط شهيداً لتحرر الفكر والعقيدة في عصره حينما حُكِم عليه بتجرع السم بتهمة إفساد عقول الشباب. ولقد دخلت الحضارة الأوروبية الكلاسيكية نفقاً مظلماً في العصر الوسيط حينما سيطرت الكنيسة على توجهات العلم والفكر والفن: فلم يكن مسموحاً بأية نظرية علمية أو فلسفية، ما لم تكن على وفاق مع تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية. كما أن الفن - رغم روائعه في هذا العصر - ظل محصوراً في نطاق التعبير عن الموضوعات الدينية من خلال فن التصوير، أو تزيين واجهات الكنائس وأروقتها من خلال فن النحت.

بوادر النهضة

في هذا السياق الذي استمر قروناً طويلة، ظل الوعي الأوروبي يحاول الخروج من هذا النفق المظلم، ولاحت في الأفق بوادر عصر النهضة بعد الكشوف الجغرافية والمكتشفات العلمية التي جعلت الوعي الأوروبي ينفتح على أفق أكثر رحابة، وألحت رغبة قوية في التمرد على الكنيسة ودعم العلم والفكر، وهي مهمة ساندها أمراء المقاطعات الأوروبية، خاصة في إيطاليا. ولكن هذه الروح الجديدة الوثَّابة لم تستقر دون تضحيات دفع ثمنها العلماء والمفكرون. ولقد نشأ في هذا السياق الفيلسوف العالِم جيوردانو برونو الذي يمكن أن نعتبره بحق رمزاً لشهداء الفكر والعلم في عصر النهضة الأوروبية.

وُلِد جيوردانو برونو Giordano Bruno بالقرب من مدينة نابولي سنة 1548، وتوفي سنة 1600 بمدينة روما بإعدامه حرقًا، وبين مولده ومماته عاش حياةً مليئة بالأسفار في سائر أنحاء أوروبا بهدف تدريس نظرياته العلمية والفلسفية في كبرى الجامعات الأوروبية، ولكنه ظل طريدًا مهاجرًا من بلد إلى بلد ومن جامعة إلى أخرى؛ بسبب نظرياته المعبرة عن روح التمرد على النظريات القديمة المهيمنة على العلم والفكر الأوروبي، وهي النظريات التي تؤيدها الكنيسة وتُحرَّم الخروج عليها. كانت روحه الوثابة الطليقة تجسيدًا لروح عصر النهضة التي تسعى إلى الخلاص من الجانب المظلم في روح العصر الوسيط، والانطلاق نحو أفق جديد من تحرر العلم والفكر الذي هو مناط نشأة الحضارات أو بعثها من بعد مواتها وسكونها. وعلى الرغم ما أن برونو قد دخل ديراً للآباء الدومينكان في سن السادسة عشرة، مثل كثير من علماء ومفكري عصره الذين كانوا يتلقون العلم والمعرفة في الأديرة، إلا أنه قد خلع ثوب الرهبنة في الثامنة والعشرين من عمره، بعد أن حامت حوله الشبهات والتشكيك في عقيدته، فرحل إلى شمال إيطاليا يعطي دروسًا في علم الفلك لأبناء الأمراء والطبقة الثرية التي كانت تدعم الروح الجديدة. وقد ارتحل برونو إلى جامعات ﭼﻧﯿﭪ، وتولوز بجنوب فرنسا، وباريس، وأكسفورد بانجلترا، وفتنبرج بألمانيا، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كانت دروسه تَلقى استحسانًا ذاع معه صيته، ولكنه لم يسلم من عداءات رجال الكنيسة الذين شككوا في مخالفة نظرياته للعقيدة، فأثاروا حول الشبهات التي تستدعي العقاب، بل إنه لم يسلم حتى من صغار العلماء والمفكرين الموالين للكنيسة، فأرسلوا بشأنه الشكاوى وحرضوا عليه رأس الكنيسة أو البابا في روما. وهو لم يسلم حتى من صغار التلاميذ الذين يشبهون الآن رجال الأمن الذين تزرعهم السلطة في العوالم المتخلفة: فبعد أن عانى من التعب والمطاردة، رجع إلى إيطاليا وطنه الأم، فقام بالتدريس في البندقية ومارس تدريس نظرياته في الفلك والفلسفة، التي كان يهاجم فيها فلسفة أرسطو وينتقدها انتقادًا لاذعاً، فما كان من أحد تلاميذه إلا أن شكاه إلى مجلس التفتيش الذي أمر باعتقاله لمدة ست سنين لعله يرجع عن آرائه المخالفة للعقيدة المسيحية، فاستدعاه البابا بعد ذلك وأمره بأن ينكر آراءه المخالفة للعقيدة المسيحية، ولكن برونو أصر على موقفه مؤكدًا أن رجال محاكم التفتيش يؤولون آراءه التي ليس فيها شيء يخالف روح العقيدة المسيحية؛ فكان جزاؤه الحكم عليه بالإعدام حرقاً.

تكفير معاصر ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف