• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

فلاسفة ومفكرون قضوا دفاعاً عن الحقيقة في أوروبا القروسطية

دماء التنوير

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

تحتل الشهادة مكانة عالية لدى الشعوب الأوروبية وبخاصة لدى الشعب الفرنسي الذي عشت في ربوعه أكثر من ثلاثين عاماً متواصلة، لم أزر خلالها مدينة أو قرية تقريباً إلا وفاجأني وجود نصب تذكاري شامخ يحتفل بالشهادة والشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن وطنهم. وأحياناً كثيرة تجد أسماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن أرض الوطن منقوشة على النصب التذكارية. لكن المفاجأة سرعان ما تختفي إذا تذكرنا أن فرنسا دفعت ثمناً غالياً إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، سواء من البشر أو الدمار الذي لحق بالمدن. ونحن عندما نزور أوروبا ونرى ازدهارها أوعمرانها الحالي ننسى أنها كانت مدمرة يوماً ما بل ومدمرة مرتين لا مرة واحدة. وننسى أنهم عانوا من ويلات الحروب ما لا يخطر على قلب بشر. فالحروب وحشية وآثارها وانعكاساتها كارثية بالمعنى الحرفي للكلمة. وقبل أن أتحدث عن شهداء القرن العشرين وبعض الرموز دعونا نرجع إلى الوراء قليلاً أو كثيراً لكي ندرك معنى الشهادة بالنسبة لشعوب أخرى غير شعوبنا. فالمقارنة هي أساس المعرفة والنظر.

تنقسم الشهادة بالنسبة للمسيحيين الأوروبيين إلى قسمين كبيرين: الشهادة الدينية العقائدية، والشهادة الفكرية الفلسفية.

الشهادة العقائدية

ربما من الضروري الإشارة إلى أن المسيحية كانت أقلية مضطهدة طيلة القرون الأربعة الأولى من عمرها. ومعظم بابواتها ماتوا قتلاً على يد الامبراطورية الرومانية الوثنية الطابع أو المؤمنة بتعددية الآلهة. بل وحتى مؤسسها السيد المسيح فهو يعتبر الرمز الأعلى للشهادة والشهداء. فبحسب الاعتقاد المسيحي فإنه مات على الصليب بعد أن عانى من عذابات مبرحة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولذلك فإن الشهادة ذات أهمية كبرى بالنسبة للمسيحيين. إنها حاضرة في تاريخهم ومسجلة في أعماقهم النفسية. وربما لهذا السبب ألف لويس ماسينيون كتاباً ضخماً عن الحلاج مقارناً بينه وبين شهداء المسيحية. فعذاب الحلاج يشبه أيضاً عذاب المسيح. وبعد السيد المسيح فإن معظم الحواريين ماتوا قتلاً أيضاً. فبطرس الرسول الذي خلف المسيح قتل على يد الأمبراطور الدموي الشهير نيرون عام 64 ميلادية، وصلبوه ورأسه منكس إلى الأسفل.. وبولس الرسول الذي يعتبر المؤسس الثاني للمسيحية بعد المسيح مات قتلاً أيضاً وسقط شهيداً مضرجاً بدمائه في روما في ذات العام. ولكنه لم يمت صلباً كبطرس وإنما قطعوا رأسه بحد السيف. وقد قال قبيل ذلك: «لقد ناضلت من أجل الحق وحافظت على إيماني حتى النهاية. والآن اقتربت لحظة مفارقة هذا العالم». ويبدو أن الجنود اقتادوه إلى جانب الجدار الجنوبي لمدينة روما وهناك نفذوا به حكم الإعدام. وكان عمره آنذاك اثنين وستين عاماً.

وقد شهدت المسيحية عدة موجات من الاضطهاد على مدار القرون الثلاثة الأولى، كان آخرها وأعظمها ما حصل في عهد الأمبراطور ديوكليتيان. ولكن جاء بعده عهد الأمبراطور قسطنطين وانفرجت الأمور. فقد فاجأ الجميع بالتخلي عن الديانة الوثنية التي كانت الديانة الرسمية للامبراطورية واعتنق المسيحية. وكان حدثاً مدوياً قل نظيره في التاريخ. إذ بدءاً من تلك اللحظة تحولت المسيحية من ديانة مضطهدة إلى ديانة قوية مدعومة من قبل السلطة. وأصبحت الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية التي اضطهدتها طيلة قرون عديدة. بل وأصبحت هي التي تضطهد أعداءها وتلاحقهم، ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث مع جان دارك التي اتهمت بالزندقة وأحرقت. وهذا يعني أن المضطهد بالأمس قد يصبح جلاد اليوم. وهو شيء تمت البرهنة عليه مرات عديدة على مدار التاريخ. فاليهود كانوا مضطهدين من قبل النازية ولكنهم تحولوا إلى جلادين في فلسطين. وقس على ذلك...

شهادة العلماء والفلاسفة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف