• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

هل نعلّم الأبناء «الديمقراطية» المنشودة أنها أحد تمارين المواطنة «الجيدة»؟

سياسات الشهادة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

لا يبدو أنّ الفلاسفة اليونان قد عرفوا معنى الشهادة. بل فقط المعنى المدني لـ«الشاهد». ونحن نعثر في كتاب الخطابة (المقالة 1، الفصل 15) لأرسطو على إيضاح فلسفيّ مفصّل للمعنى المدني لـ«الشهادة»: إنّها شهادة بواسطة الخطاب، حتى ولو كان الشاهد غائبا. وحده ما يُقال يمكن أن يمثّل شهادة في موقف خطابي داخل دولة المواطنة المدنية. لم يكن اليونان تعرف معنى آخر للشهادة غير المعنى الخطابي. إنّ الكلمات الصحيحة وحدها يمكن أن تجعل من متكلّم ما «شاهدا» يؤخذ بما يقول في محكمة ما. ويميّز أرسطو بين «شهود قدماء» (مثل الشعراء والعرّافين الذين يؤخذ بأقوالهم في أيّ مشاورة بين المواطنين) و«شهود جدد» (مثل الأشخاص المعروفين الذين أصدروا أحكاماً وصار الناس يأخذون بها في نقاشاتهم حول مسائل مشابهة). لكنّ حدود الشاهد واضحة بحدّة لدى أرسطو: لا يقول الشاهد أكثر أو أقلّ من أنّ أمرا ما قد حدث أو لم يحدث، وجد أم لم يوجد. لا تنطوي الشهادة على أيّ تقدير لما وقع، أكان عادلا أم غير عادل، مثلا. إلاّ أنّ الشهود القدماء أكثر تصديقا لأنّهم ينطقون عن النواميس غير المكتوبة للطبيعة. كان اليوناني يشهد على عدالة أبدية بالتعبير عن قوانين غير مكتوبة، وهو غائب. بين الشهادة والغياب علاقة مثيرة في دلالة الشاهد اليوناني. وهو أمر يبدو أنّ المعنى الشرقي أو التوحيدي للشهادة سوف يقلبه رأسا على عقب: إنّ «الشاهد» كما تتداوله الأناجيل هو حاضر أو لا يكون. الحضور هو شرط «الشهادة» (artyrium في معنى témoignage أو witness أو Bezeugung) على ظهور المسيح، على أنّه كان هنا، بين البشر، أنّه مرّ من هنا. وأنّه كان «الحقيقة»، أي أنّه «تجلّى» للناس، ومات من أجل دفع ديون خطاياهم. وربما أمكننا بناء الافتراض التالي: إنّ التحوّل من الشاهد اليوناني إلى الشاهد المسيحي هو انتقال مثير من نموذج الغياب أو الحكمة غير المكتوبة إلى نموذج الحضور أو التجلّي التاريخي: من الشهادة المدنية إلى الشهادة الدينيّة. – وهذا يعني أنّ الأناجيل المسيحية لم تعرف غير معنى «الشاهد» (اليوناني)، ولم تطرح مفهوم «الشهيد» (ما بعد اليوناني) إلاّ في وقت لاحق، أي في نطاق ما بعد إنجيلي أو كنسي.

إنّه علينا أن ننتظر القرن الثاني الميلادي حتى يتشكّل معنى «الشهادة» الذي نقصده، عندما ظهر المفهوم المسيحي المكرّس «للشهيد»: ذلك الذي يقبل الموت من أجل إيمانه الديني، في نحو من «التضحية» القصوى بنفسه. ومن ثمّ كان يسمّى «شهيد الإيمان» أو «المعترف» بالمعنى الكنسي. وحين جاء الإسلام تبنّى المفهوم المسيحي لكنّه أدخل عليه تعديلا حاسما: إنّ الشهيد لا يقبل فقط أن يضحّي بنفسه سلباً بل إيجاباً، وهو بهذا المعنى أوّل شهيد حركيّ أو فاعل في تاريخ الشهادة. وذلك أنّ الشهيد المسيحي يظلّ شاهدا منفعلا على موته الخاص.

وإنّ من يفحص مصطلح «الشهادة» يكتشف أنّ بعض اللغات فقط، ونخصّ بالذكر اليونانية والعربية، هي قد عرفت طريقا متميّزا نحو بلورة مفهوم «الشهادة»: نعني هذا الانتقال الغامض من دور «الشاهد» إلى موقف «الشهيد». واللفظة المستعملة اليوم في اللغات الغربية الحديثة (من فرنسية وانجليزية وألمانية هي من جذر يوناني قديم: «ártus»- وهو لا يعني أكثر من معنى «الشاهد»، وليس له دلالة «الشهيد» التوحيديّة.

أجل، كان موت سقراط إعداماً أصدرته محكمة ضدّ حكيم متهّم بأنّه يجدّف على آلهة المدينة ويفسد الشباب. وعلينا أن نسأل: لماذا لم يكن سقراط شهيدا؟ مع الإشارة إلى أنّ محاورة أفلاطون «مرافعة سقراط» قد كانت خالية تماما من الشهود. كان سقراط الشاهد الوحيد في مرافعته على نفسه. ومع ذلك لم يكن موته شهادة بالمعنى التوحيدي. كان الشاهد اليوناني خارج أفق المعنى الذي يؤمن به التوحيديون حين غيّروا من طبيعة دور الموت: حوّلوه من موت وثني، أمام نوع مدني من الشهود، إلى موت «ديني» يقدم عليه «مؤمن» يستعمل موته الخاص، أي التضحية القصوى بحياته، بوصفه أداة للتعالي «الأخروي» على سلطة دنيويّة باسم ملكوت عالم آخر.

ومن المفارقة أنّ المسيحيين عرفوا في أواخر القرن الثالث نوعا آخر من الأفلاطونيين (وعددهم أربعة): أحدهم «القدّيس أفلاطون الشهيد»، القديس الذي رفض التخلّي عن الإيمان المسيحي.

الفلاسفة والانتحار ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف